لا تبدو الحياة منطقية ولا عادلة بل على العكس تبدو فوضوية وعشوائية وظالمة، هذا الأمر مُحيّر للغاية فالكون – كلما امعنت النظر فيه – تجده مُنظمًا للغاية ومتوازنًا..
هذا التناقض كان السبب في عذابات أجيال مُتعاقبة، حتى صار القلق القاتل الأكبر للبشرية في عاصفة لا تنتهي من التخبط والحيرة الفلسفية الوجودية حول المعنى والقيمة الحقيقية للأشياء…
يعيش الديكتاتور على عرش من الجماجم يشرب دماء شعبه، لقد أفنى عرقيات بكاملها ثم يموت دون أن يحاسبه أحد، يموت بطلاً مبجلاً صنع إمبراطورية لها احترامها في التاريخ، وتتساءل وأين حق أولئك الذين عانوا الويلات؟! لماذا لا يذكرهم التاريخ اللعين؟!
تُعاني المحن لتُربي أطفالها.. وحين صاروا مشهورين واجترحوا المعجزات المهنية لم يذكرها أحد بل تحدث أحدهم مطولاً كيف كان عصاميًا، فهذه القصة أكثر إثارة من قصة أُم بسيطة مخلصة، كما أن وظيفة أُم وربة بيت صار موضوعاً مُحتَقراً في تسونامي النسويات والمثلية، وتظل تتساءل لماذا صارت وظيفتهم خير من المهنة المقدسة التي صنعتهم؟!
يملؤون الدنيا ضجيجًا عن عجائب الدنيا.. السور العظيم، الأهرامات المعجزة، الشركة العملاقة عابرة القارات …الخ ولا يتكلم أحدهم عن ملايين الهياكل التي تقبع تحت تلك الإنجازات، بقايا لبشرٍ مثلنا ماتوا جوعًا وعطشًا وتعبًا من السُخرة لأجل مجد الأباطرة.. يا ترى أين العظمة هنا؟!
تلاحقك التساؤلات فتستسلم.. ولربما تنقذك الحقيقة يومًا ما فتُدرك أن الحياة التي صنعها البشر بخياراتهم ليست عادلة فالبشر ليسوا عادلين على الأرجح، لكن الحياة نفسها منطقية ومفهومة لو استطعنا وضعها في إطارها الصحيح للوجود المتناسق.
فما الذي يحدث خلف الكواليس مُغيَب تمامًا علينا، على نحو يُشعرنا بالإذلال والعجز والضآلة، لذا صارت نظرتنا للحياة ضبابية ومُضلَلة بدعاوى العشوائية..
البشر- بطبيعتهم المُتعالية المُعتزة بذكاء فصيلتهم – لا يتحملون أن تكون الحياة بهذا الغموض المُعجِز لهم، لذا فقد اجتهدوا في وضع مقاييس ومعايير وأُطر يجعلها سهلة الاستيعاب، سار ذلك النهج على نحو مُجدي في جوانب معينة مادية – غالباً – لكن مع الوقت هذه المعايير والأُسس تحولت إلى قيود وجدران تحاصرنا ككائنات معقدة في ذاتها أصلاً.
لسذاجتنا صدقنا أن الحياة يمكن أن تحدها هذه الأُطر الموضوعة بأيدينا وغفلنا أننا مجرد جزء ضئيل من هذه المنظومة العبقرية، هذا الوهم الساذج أدى إلى تفاقم مشاكل البشر المعنوية والروحية، تلك الجوانب التي لا تقبل قوالب المادة والملموس، وصارت الإجابات أصعب حين تبحث عن معيار قاصر لا يغطي القصة كلها..
المسافات تُقاس بالمتر غالباً ولو أنّ المرء تَأمّل قليلاً لوجد أن المتر ليس وحدة القياس الحقيقية للمسافات دومًا، فالمرء قد يُلاحظ أنّه قد يقطع 5 كم وكأنّها أقصر مِن 5 متر دون تعب لأنه يتمتع بِرفقة مُؤنسة تَحمل عبء الطريق معه أو لأنه يسعى للقاء حبيب، بينما تجده يقطع بضعة أمتار بمشقة تَجعل الطريق يبدو أطول مِما هو عليه حقيقةً لأنه كان وحيدًا أو مهمومًا أو يقصد مكانًا مكروه، هنا نفهم أن مشاعرنا ودوافعنا هي من تحملنا وأن الأرض قد تبدو وكأنها تُطوى لمجرد أننا في حالة شوق أو حماسة.
أحيانًا يشعر المرء أنّه أخف مِن فراشة كأنّه لا جاذبية، وأحيانًا يشعر وكأن الجاذبية تضاعفت وأن وزنه صار أثقل وخطواته أصعب، الأمر ببساطة يعتمد على راحته وسعادته أو على أثقاله وهمومه.. ولا شأن له بالجاذبية..
الزمان أيضًا من اوهامنا نعتقد أنه يمكن قياسه بالساعة باللحظة.. الخ مع أن هذه المفردات حسب خبرتنا ليست القياس الحقيقي، يمكنك أن تقضي ساعة مع حبيب تمر كخمس دقائق، بينما ستقضي ساعة في نشاطٍ مكروه أو مع شخصٍ مبغوض وكأنها سنة.
الزمن للعظماء مثلاً لا يُقاس بالأيام ولا بالسنين ولكن بالمراحل الحاسمة في خطتهم التنويرية للبشرية، تلك المراحل التي قد تكون عقود من الزمن فالأربعين سنة لا تعني الشيء الكثير في حياة شعب وحلم وطن ذو سيادة صلدة، الأربعين سنة تعني جيل واحد فقط بينما هكذا أمجاد تصنعها ثلاثة إلى أربعة أجيال..
الزمن لا مكان له حين نتكلم عن انتظار أُم لابنها المُختَطف قسرياً.. الكل يُحدثها أن السنين طالت ولم يعد هناك أمل لكنها تشتاق له كأنه اختفى بالأمس.. مازال أملها كما هو ومازالت حرارة دموعها ودعواتها كما هي..
الزمن لا يعني شيء في حياة الباحثين عن الحقيقة، لا تحدثه عن كم مرَّ من الوقت في مشواره الطويل لحل مسألة هو شغوف بها.. فالأمر عنده لا يعدو تلك اللحظات الساحرة بين السؤال والإجابة المنشودة..
أمّا عن المال وحقيقة البركة فتلك قصة طويلة تجد فيها القليل بالحاسبة يكفي وزيادة..
الإنسان كما يُقال صار أكثر تعاسة حين صار ينظر للساعة في معصمه أكثر من النظر في الكون حوله لذا حين نعتنق طبيعتنا الهجينة المعقدة بتواضع سننتصر على سجوننا وستبدو الأمور أكثر منطقية ومفهومة أكثر فالحقائق المعنوية والروحية لا تقل أهمية وحتمية من الحقائق الفيزيائية والمادية، فكلها تتشابك لتصنع هذا الوجود البديع وحياتنا منه..
لطفًا أعد النظر في الأمر برمته..