(أَوۡ ءَاوِیۤ إِلَىٰ رُكۡنٍ شَدِیدٍ)

وكأن الدنيا تنزع عن نفسها كل ملامح جمالها ورونقها وكل أمانيها الحلوة في أذهانهم… وكأنهم ينتقلون إلى البُعد الأخر من الحياة، بُعد ليس فيه إلا الخوف والرعب والقلق… والذل، ولهذا لا يمكن أن تجد عندهم رأياً سديداً في أياً من أحكامهم عن أي شيئ أو عمل أو شخص…. ليس ذلك لأنهم فقدوا عقولهم بل لأنهم فقدوا قواهم وعزائمهم…

أولئك هم الضعفاء…. ضعفاء في مبادئهم وإيمانهم ومبادرتهم و دافعيتهم للعيش الكريم، تجدهم دوماً ينظرون للأمور من أضيق زواياها و أشدها اسوداداً….. فهم أناسٌ يعيشون في المستوى الأدنى للحياة … ذلك أن الحقيقة الأكيدة أن للعيش مستويات جوهرية لا تقاس بالأرقام بل بقوة الحياة والاستمتاع بها… تلك القوة التي تملأ النفس والعقل والروح…  

فالضعيف إنسانٌ حي على سبيل المجاز.. فالحياة عنده على أجهزة الإنعاش الأخيرة … لا يلمس الأشياء بملمسها الطبيعي أبداً، إذ أن هذا غير ممكن مع يديه المرتجفتين وحواسه الواهنة،

الضعيف لا عزة له و لا وزن ولا تأثير … ميّت مع وقف التنفيذ ، لا يمكن للحياة أن تكون أكثر ثقلاً ولا اسوداداً أكثر مما هي عليه في نظرهم وفي واقعهم … مساكين هم عبءٌ على الأرض سواءً أكانوا فوقها أو في بطنها …..

الضعف هو أسوأ المساوئ وأكثر الرزايا قبحاً ….ولهذا فإننا لا بد أن نتفق أن القوة هي سنة عظمى من سنن الكون الفيصلية .

(القوي) اسم من الأسماء الحسنى التي تمنحنا الكثير من الأمان والعزة والحب والجلال … اسم اختص به ربنا لنفسه، اسم يعطينا دليلاً واضحاً وأكيداً على أن القوة محمدة علينا أن نناضل لنكون من أهلها، بل من أحسن أهلها …. فوحدهم الأقوياء هم الأقرب لنعيم ملكوت السماء والسعادة في الأرض …

الضعفاء تطردهم الحضارات وتهجرهم الانتصارات وتودعهم الأفراح …

تلفت حولك أترى مثالاً أفضل منا  كأمة عربية ومسلمة لمثل هذا الضعف المأساوي …. نحن أضعف ضعفاء هذا الكوكب الأزرق؛ إذن لما قد يهتم بنا الأقوياء؟؟!! … بدمائنا أو باحتياجاتنا أو بوفياتنا أو بجوعنا … نحن حتى أضعف من أن نمنحهم أدنى سبب للمحافظة علينا في الخريطة، إلا إذا اعتبرنا أنفسنا سوق استهلاك ومختبر تجارب بشرية رخيصة لهم ……..

الضعفاء متأخرون عن العتبات القدسية قد سبقهم أهل القوة والمبادرة إلى الحب والقرب … قالها الرسول مدوية مجلجلة (المؤمنُ القويّ خيرٌ وأحبُ إلى الله من المؤمنِ الضعيف) ….وحتى مع  المواساة المهذبة من المصطفى في استدراكه ( وفي كلٍ خير) فإن السبق كل السبق  لأهل القوة في الحب والخيرية …

أما في الآخرة سيكون المآل أشد، فالضعف هناك لن يكون عذراً على شفير جهنم، فترى هؤلاء الضعفاء في قاع جهنم تجادلهم الملائكة (أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَ ٰ⁠سِعَةࣰ فَتُهَاجِرُوا۟ فِیهَاۚ )…….

إذن لا عذر لهم بسبب عجزهم؛ فدخلوا جهنم مع أولئك الذين تسلطوا عليهم بالخوف والعجز … والعياذ بالله.. وفي تفصيلٍ عادلٍ و استثناءٍ دقيق نجد أن المستضعفين الذين لم يكن لديهم حيلة وقد بذلوا الجهد فأولئك عذرهم مقبول ولهم العفو كما تحدثنا الآيات التالية للأيه السابقة في سورة النساء..

الضعفاء ثقيلون على النفس فلا مكان لهم في قائمة الحب؛ فالنفوس تحب القوة في كل شئ  …. ما يحصلون عليه هو الشفقة والتعاطف فقط ….. أما الحب الراشد بين البشر فلا يكون إلا بين الأنداد في القوة فتجد الميزان مضبوط بالحب المتزن المتبادل من الطرفين أي بالعطاء المتبادل …..

الضعفاء ويحهم إنهم حجرة عثرة في طريق سعادتهم وسعادة كل من كان في ركبهم ….

ويريدون أن يتميزوا أو حتى أن يُفسح لهم مكاناً في المجالس أو الأعمال …. ويا للعجب تجد أحدهم يطالب ويناشد بإرادته الأكيدة أن يُحترم و يُسمع له و يُزكى رأيه وأن يُعمل باقتراحه ….. ومن هو حتى يحصل على ما يريد … ماذا لديه ليأخذ ما يريد …. أما علم أن الحياة لا تُستجدى أبداً بل تُنتزع ؟؟!!…

يأتي أحدُ هؤلاء فيطيل الشكوى والنحيب من مديره المتسلط… أبويه المقصرين … زوجته أو زوجه الضائع في متاهاتٍ فردية … أبناء عاقين ، مجتمع طبقي ، معلم نسي مهمته في البناء واجتهد في تحطيم طلابه ، فقرٌ مدقع … حكومة ديكتاتورية أو خصم حقود قاسي الضربات….

يشكو لك ليس لتعطيه حلا ًكما تظن – فتلك هي المصيدة – فها أنت ذا تندفع لتعطيه المشورة والرأي ظاناً أن كل ذلك الاشتعال يؤكد عزمه المبين على خوض معركته…. و يا لها من صاعقة حين تكتشف أنه أسمعك كل ذلك العويل حتى تعطيه مبرراً لما سيقوم به من الهروب أو الانتكاس أو الذلة … أو أياً من  تلك المصطلحات المخزية في عالم التحدي والمواجهة …..

يجب أن لا تختلط علينا الأمور…. فالضعف الذي كان من ويلاته ما ذكرناه سابقاً ليس ضعف الجسد أو المال أو المكانة الاجتماعية …… وإن كانت تلك بعض مظاهره البديهية …. الضعف الحقيقي الذي نقصده والذي لطالما حذرنا منه ربنا هو ما ذكره الرسول بحكمة معجزة في تكملة الحديث السابق حين قال عليه الصلاة والسلام: ( استعن بالله ولا تعجز ).

العجز هو الضعف الحقيقي ولا شيء غيره ….. حقيقة القوة والضعف تكمن في خياراتنا نحن فقط…

حين يخبرنا الله أنه ربنا… وأنه (هو القوي)… أي لا قوي في مثل استقلالية قوته ومطلق قدرته …. حين يخبرنا بذلك في سبع مواضع من القرآن فإنه يؤكد لنا بأن أصل القوة وخزائنها عنده وحده وللخزائن مفاتيح ، ومفاتيحها أن نمد أيدينا لنطلبها منه بجدٍ وعزم …..

نعم قد تكون ضعيفاً مالياً؛ إذن لماذا لا تشرع في توسيع خبراتك ومهاراتك لتوسع دخلك؟؟ ما المانع أن تتخذ طريق الاستقلال في مشروع خاص بك؟؟!! ما كل هذا الخوف والعجز والخور وأنت تمتلك عقلاً يفكر وصحة ورغبة في الأفضل؟؟ قد يكون جسدك واهناً قليلاً فلماذا تدع صحتك تتدهور بعادات فاسدة وتناول ما لا يصح… وإن كان تقليد (عريق)… قوتك البدنية لا تحتاج إلا لبضع تمارين وأكل صحي منتظم … شيئاً من الالتزام والاهتمام فقط….

يؤلمك أن عاطفتك ورغباتك تطيش هنا وهناك وتبحث عن عذرٍ كما يفعل من قد سقط في الرذيلة والنفس تشتهي و اليد قصيرة كما يقولون … نعم قد تكون هنا ضعيفاً أمام ما يجيش في نفسك وتؤججه مفاسد العصر…

والحل لا يكون في المزيد من الهوى والاستسلام بل في أن تناضل بالانشغال المرشد والحب الأخوي المهدف والعفة المتصبرة ….لا تعجز هناك حتماً بابٌ للقوة فاطرقه … تحرك فلا شئ سيأتي من تلقاء نفسه

وقد يحزُّ في نفسك تلك الطبقية التي لربما أنها وضعتك في الدرجات الأدنى للمجتمع (وفقاً لحساباتهم ومعاييرهم)… كلهم يصعدون بمصاعد خفية عجيبة الأثر وأنت لا جاه لك … إياك والنحيب، فإن لم يكن لك جاه من نسب أو سلطة أو مال فاصنعه بعلمك ، بأخلاقك ، بجدك وتميزك المهني الفريد، وعزة القوي في عليائه سيأتون إليك رغماً عن أنوفهم فذاك جاهك الذي يحتاجون إليه  …..

والعجب لك حين تشتاق للدرجات العلمية العليا وتنشد التخصصية والمكانة المرجعية ثم تكتفي بقصاصات الملازم وفتات الوقت للمطالعة !!… أتريد صعود برج لم تخطو خطوة على سلالمه ولم تصنع له مصعداً أو حتى لم تخترع له طائرة أو حتى حبلاً تتسلق به …كيف؟؟!! إنك لم تقدم وسيلة واحدة لتصل … أتريد رياً بلا شرب ماء … ؟؟؟

غريب أن تتوق للسبق وأن تكون لديك اليد العليا في السوق والميدان وأنت تستعمل نفس وسائل غيرك ومصادره فلا تزد عليها ولا تطورها ولا تضف إليها ما يجعلها بصمة سر صنعتك الخاص …..هلاّ جعلت لك كودك المشفر ؟؟!!! حينها حتماً ستعود مقاليد المنافسة ليدك…

القوة تلك المتعة الحقيقة للعيش فلماذا تحرم نفسك منها؟ …

عش قوياً أو مت حسيراً…

الخيار لك وفي يدك أنت…  

إن ربنا هو المستحق للعبودية والحب والإجلال لأنه ربنا و إلاهنا و خالقنا …..لكن الأمور لا تأتي بهذه البساطة في دنيا البشر لابد من انتزاع تلك العبودية منهم، ولذلك كان هو القوي سبحانه القاهر بقوته و إذا نسي البشر – وتلك عادتهم – ذكرهم بشيء من قوته على سبيل التقريب لأفهامهم فنرى العواصف ، الزلازل ، الفيضانات ،الكوارث البيولوجية والجغرافية … تجد فيروس كفيروس إنفلوزا الطيور يقلب العالم رأساً على عقب … كم من ألغازٍ غامضةٍ مُعِجزة تجعل العالم يركع ويخضع حائراً….إنه ربنا الجليل ينتزع منا كل الحب والإجلال والانصياع الذي هو الوحيد المستحق له ….

أما نحن فنريد كل ما نريد ونحن بكل هذا الضعف أو لنقل العجز والكسل ….. سل نفسك ..من أنا حتى يحبني الآخرون أو يحترمونني أو يتبعونني؟ …ما مميزاتي وماذا قدمت حتى أطالب بالتغيير أو بزيادة أجري و رفع مكانتي ؟…..أنا لا أحصل على ما أريد  لأنني لا أستحق أو على الأقل لم أكافح لانتزع ما أستحق. 

إن كنت ترى نفسك مغبوناً فلا تلومن أحداً إلا نفسك، فلقد عجزت عن رفع نفسك … حتى أضعف الحيوانات تبرع في جانبٍ تكون فيه على جانبٍ من القوة ويكون هذا الجانب هو مضمارها الذي يعطيها الأمان والبقاء … فمثلاً لا يمكن هزيمة التمساح في الماء العميق، ولا يمكن للصقر أن يُغلب في القمم ، ولا يمكن إمساك الغزال  في الجبال و المنحدرات ….. وفي البحار قد يكون القرش هو الأشرس والأقوى لكنه لا حول له ولا قوة في الأعماق السحيقة للمحيطات حيث تنعدم الرؤية تماماً وتفلت منه بكل سهولة أسماك قد تصنف ضعيفة لكنها تمتلك عنصر القدرة على الرؤية بل وتمتلك نورها الخاص مما يجعلها متفوقة على خصمها مهما كان… 

أين مكمن قوتك؟؟…. هذا هو السؤال الجوهري لوجودك وقيمتك في الحياة وكل شيءٍ يتبع تلك الإجابة الصحيحة الفعلية لهذا السؤال…

إياك أن تعتقد أن لا مكمن قوة لديك …… فالقوي سبحانه قسم القوة بين خلقه بعدل وحكمة …..تأمل ستجدها.

هناك أمرٌ مهم لابد أن ندركه تماماً ولا نغفل عنه….. أن تلك القوة المنشودة تكاملية فهي تعني أن تكون مستقيم النفس… جلد الروح ….ماهر الصنعة … نقي الفؤاد …دمث الأخلاق ….كما أنها تعني صحة الجسد ووفرة المال وعمق التخصص والخبرة الفريدة …

القوة وحدة متكاملة وفوات أحد جوانبها يعني الضعف من أي نواحيه … سواءً أكان ضعفاً أخلاقياً أو مادياً أو علمياً أو روحياً …..

الرومان لم تغنهم كل قواهم الحربية التي تميزوا بها حين كانت بدون خلق ولا علم ، فحين غزوا اليونان تمكنوا من هزيمتهم، لكن اليونان حكموا الرومان بعد حين… فاليونانيون حقيقة كانوا أقلية ضعيفة حربياً لكنها أقوى عقلاً وأخلاقاً وحكمة وأمهر صنعة …..لا تجزئة في عالم الأقوياء فأي ثغرة قد تؤدي للتهلكة والسقوط ….. هل نفع روسيا جبروتها حين أنهارت أخلاقهم ومبادئهم ؟؟ أصبحت أشد أسلحتهم فتكاً تُباع بصناديق شراب ليلة و يا للعجب !!!… بل هل ينفع أمريكا عنفوانها ونسبة الاندثار الاجتماعي فيها هي الثلثين وأكثر، إنها أمة تنقرض (أمة شذر مذر) ومع ذلك مازال لهم وجود بسبب تفانيهم في امتلاك القوة المادية والفكرية وجهودهم المثابرة للتحسين …

ما القوة في نمور اقتصادية سُحقت في كارثة أصلها التعاملات الربوية اللاخلاقية ؟

أين السعادة في أثرياء ينتحرون ؟ أو يموتون بلا أبناء ولا عائلات ؟؟

أين الجبابرة الطواغيت الذين مقتوا أنفسهم لسوء ما اقترفوا قبل أن يلعنهم التاريخ والبشرية ؟؟؟

ومن الذي يريد أن يكون عالِماً عذبته كوابيسه وحسراته لاختراعٍ نال عليه جوائز عالمية وأموالٍ وشهرةٍ وجاه ولكنه دمّر حياة الملايين وأخرجه من تصنيف البشر إلى قائمة الوحوش إن جاز التعبير؟؟!! 

حين ننظر للقوة المطلقة لربنا سبحانه نجدها متلازمة مع اللطف والكرم والود والحكمة والعدل المطلق … إنها صفات قدسية تكمل لنا معنى القوة الحقيقة ….. القوة الراشدة العادلة … قوةٌ فيها الخير، ليست للكبر أو الاستعلاء الآثم بل لنفع خلقه فسبحانه ربنا …. بلغ الكمال في كل محمدة فأين المتخلقون بأخلاق ربهم ؟؟؟ أين الساعون لتلك المكانة الكريمة ولهم البشرى الأكيدة بما يحبون فهو لا يمنع المجتهدين جوائزهم أبداً …

الحياة مجرد أسباب ومفاتيح فان أقفلت الأبواب أمامك فأنت المُلام لأنك لم تُناضل لحيازة المفتاح ولو طلبته لوجدته حتماً أو لعلك وجدت طريقاً التفافياً أقصر و أحسن  …

(ارفعوا رؤوسكم إنهم يبدون عمالقة فقط لأنكم تنظرون إليهم وأنتم راكعون )هذه كانت كلمات لينكولن للسود في معركتهم الفاصلة للتحرر من الرق ولقد تحرروا من عبوديتهم حين تحرروا من ركوعهم العاجز … فالعيش الكريم التزام واستحقاق ……

كافح لتكون قوياً و إياك والاستجداء  المُذل في أي أمر…. فربك هو الأقوى على الإطلاق…. وإن كان ابن القوي قويٌ بقوة أبيه  – فلله المثل الأعلى – فأنت قويٌ بقوة ربك…  

إنك حقاً في ركنه قد آويت إلى ركنٍ شديدٍ لا يُضام …

اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل ولا حول ولا قوة لنا إلا بالله القوي الكريم…

dcb0e4b0ffb522f905ae9dc2fc6f5e7f