الهبة النادرة

 *أماه*

الحب ذلك الذي يتحدث عنه الجميع، ويدعيه الكثير، ويتفلسف عنه الكثيرون.. الحب ذلك الحاضر الغائب بيننا كالهواء نشعر به يحيط بنا، ويمنحنا بالأنفاس سبب الحياة لكننا ومع ذلك فنحن لا نراه، ولا نبلغ القدرة لوصفه أو قياسه..

أنا حزين يا أماه.. قلبي تائه، ونفسي تتوق للاختباء من نفسي داخل أحضانك.. عقلي به ضجيج يكاد يحطم سكينة بنيتها سنين طويلة.. سكينة بدأتها حين كنت أغمض عيناي، وذراعاك تحيطان رأسي، وتضمني إلى صدرك فاضبط إيقاع أفكاري على نغمات دقات قلبك المنتظم الدافئ المكافح المثابر.. كم أنا محتاج لضمة كتلك تلملمني إليَّ، وتجمع أشلاء مشاعري، و أمنياتي إلى بعضها البعض بل إلى داخلي..

أماه أنا أدرك ما الحب لكني حقيقة صرت أخافه.. مسؤوليات الحب باهظة.. هكذا علمتني وهكذا خبرته بنفسي.. إنه يستلزم شجاعة كبيرة.. شجاعة أشعر بالخوف من مجرد ادعائها..

أعرف أن لاحب من طرف واحد بل لابد من تبادله بين الطرفين، وإلا لكان شيء آخر غير الحب.. الصراحة،  والشفافية في المشاعر تتضمن احتمال خيبات أمل أن لا يقبلك الطرف الآخر.. تلك الخيبات من أكثر الأمور رعباً لأي شخص ومنهم أنا..

أعرف أن الحب يصنعك شخص أفضل فهي كأم محبة ستخاطر بأي شيء لإنقاذ صغيرها، وهو كزوج ودود يتخلى عن رغبته الشديدة بالصغير ﻷجل سلامتها.. وهما وسط المحنة يقدمان أفضل ما عندهما للتخفيف عن بعضيهما..

أمي لقد اخبرتني دوماً أن الحب ثمرة لشجرة عملاقة جذرها الارتباط، والالتزام، وأن الذي مازال بلا التزام لايمكنه أن يحب.. إن قرار ربط المصير بالمصير عن طريق براهين، وعقود ملموسة هو بوابة الحب الحقيقي وغيره مجرد قصائد مكتوبة على رمال، ولوحات مرسومة على وجه الماء..

إن قبول الآخر بكل مافيه، وعيوبه ومحاسنه، وضريبة هذه وتلك لهو الاختيار الذي يمكن ﻷي شخص فعله أو عدم فعله.

أتذكر أنك شرحتي لي أن المحن صعبة لكن لولاها لما عرفتي كم الرجل البسيط الذي قبلته زوجاً قد أحبك وصدق في حبك.. المواقف والخيارات الصعبة والتضحيات مع طول النفس، والاستمرار قيم عليا لا يمتلكها إلا محب حقيقي..

 *حبيبة روحي :*

إنها لحياة رائعة تلك التي ترى فيها هكذا جمال، ودفء مما لا يراها معظم البشر طوال حياتهم..

وبغض النظر إن لم أحظى بها بنفسي فقد أسعدني الله بتلمس تلك الهبة النادرة في حياة غيري..

الحمد لله على كل حال..

IMG-20240805-WA0011