عندما كنت صغيرة كانت لي قائمة رغبات وطلبات لا تنتهي كمعظم الأطفال وزيادة حبتين..
كانت طلباتي لا تعرف ليل أو نهار، ظهر أو فجر.. فقد كنت أُمطر رأس أمي بها في الوقت الذي أفكر بها دون مراعاة ﻷي حال تكون عليه.
كنت أصل من المدرسة مباشرة إلى المطبخ حيث كانت تخبز على التنور وابدأ بالشرح لما أريد من الوان، لعبة أو حقيبة.. إلخ
مازلت أتذكر بوضوح وجهها المتورد من حرارة التنور وانشغالها بالخبز وأنا إلى جوارها كالراديو أو التلفزيون الذي لا يسكت..
أتذكر صبرها وهي تهز رأسها بتفهم لكل ما احكيه وحين أختم كلامي المعاد ثلاث أو أربع مرات بسؤالي المتحمس:
- هيا متى تحضريهم لي؟؟
تجيبني بحزم: - أنا لا أملك نقود لشراء ذلك الآن، لكني متأكدة أن قاضي الحاجات سيدبرهم لك.
كنت حقيقة أتساءل عن قاضي الحاجات الذي دوماً تعتمد عليه أمي لتوفير حاجياتنا، وكنت كلما سألتها عنه تضحك وتقول:
- قاضي الحاجات هو سامع الدعوات ومجيب الطلبات ومفرج الكربات ورافع البليات.
وظللت أتساءل كيف يكون هذا العظيم الذي يعتني بنا وتركن أمي له..!
وأتذكر فرحتي حين كنت اصحو يوماً في الصباح فأجد إحدى طلباتي عند رأسي فاملأ البيت فرحة وبهجة وأسرع ﻷمي احضنها وأُقبلها لتلبيتها ما أريد فتضحك وتقول:
- هذا ليس أنا.. هذا قاضي الحاجات دبرها لك، أنا فقط وصلتها.
(اووووه كم أنت حبوب يا قاضي الحاجات ) هكذا كنت أذكر ساعتها.
ومرة كنت خلف البيت مع أختي نراقب السماء وتشكلت السحب على شكل قدم كبيرة فقلت ﻷختي:
- هل هذه قدم قاضي الحاجات؟
أجابتني ببراءة: - لكن أين رجله الآخرى؟؟
وظل حبي وامتناني لمفرج الكربات وسامع الدعوات كبير ومتغلغل داخل روحي.. كيف لا و هو يساعد أمي ويرعانا في فاقتنا، لكن أحياناً كانت الطلبات تتأخر وأحياناً لا تأتي وكنت كلما سألت أمي كانت تخبرني أنها ستأتي لا محالة وأنها بالطريق لنا.
وسألتها لماذا أحياناً تأتي سريعة وأحياناً تبطأ فقالت لي:
- أحياناً نكون غير مناسبين لما طلبنا لذا يتم استبدالها وأحياناً نكون غير مستعدين لها، لذا فهي تتأخر إلى أن نستعد…
كان الأمر صعب فسألتها: - وكيف استعد لها؟؟
فقالت لي بابتسامة حزينة: - هنا يأتي اللغز الذي يتوجب عليك أن تجدي إجابته بنفسك وتفعليه، ومكافأتك ستكون تحقُّق ما تريدين على أفضل وجه.
كانت كل علامات الاستفهام ترتسم على وجهي وخصوصاً من حزن ابتسامتها فتأخذني في حضنها وهي تردد بحنان: - ستكبري وتفهمي ما أقصده.. فقط ثقي أن قاضي الحاجات لديه كل شيء.. كل شيء، وسيعطيك ﻷنه يحبك جداً.
وكبرت.. وفهمت ما كانت تقصده، فهمت ما كانت تغرسه داخلي، فهمت سر حزن ابتسامتها، فهمت كم هو صعب أن تجد جواب اللغز وأن تكون مستعداً لتلقي طلباتك، فهمت كم هو عسير أن تحتفظ بإيمانك أن قاضي الحاجات سبحانه يحبك رغم تأخره في تلبية طلباتك..
فهمت كم من الأمور الجميلة أعطاها لي، لكني ظللت الاحق تلك التي تأخرت.. ظللت أصارع شكوكي فيه سبحانه، ظللت أظن به ظنون المبغض لي أو اللامبالي بي.
فهمت أن معركتي ليست في نيل ما أريد، فكثير من الأمنيات تحققت.. أخذت وقت حتى وصلت لي، لكنها تحققت.. المعركة أن أشكر وجودها كما يجب..
إنها بالضبط كما قالت ستأتي لي في وقتها وحين أكون مستعدة لها، ذلك ﻷن من يرسلها يهتم أن لا يقصم ظهري بما لا استطيع تحمله.