أطلق عينيه المتألقتين في الأفق البعيد .. ذلك الأفق الودود … أفقٌ يفتح له الذراعين … بامتداد عجيب ليس فيه زوايا ولا انحناءات تخفي فيها ما قد يبعث في النفس التوجس أو الرهبة … أفقٌُ نقي ضمه بحب وسعة ليس لها حدود…
ما أجمل ما يمتلكه ذلك الأفق من سعة مترامية الأبعاد!! … دافئة الألوان … تحفز كل ما في النفس ليحلق فيها بلا قيود ….في طموح بلا شروط … وأمل بلا استدراكات..
أفقٌ حميم التعاطف راح يهمس في نفسه : “دعك يا صاحبي من كل ذاك الضيق أطلق روحك … لا تصدق أراجيفهم … تعال إليّ أُريك كم هذا الكون واسعٌ و بديع في تناميه المطرد …”
أغمض عينيه وكأنه يحفر تلك الرسالة الهامسة بالصوت والصورة في الذاكرة العميقة لروحه … شعر وكأن قوة تلك الآفاق المفتوحة قد انتقلت لصدره وطردت استهلاكات الصدامات الاجتماعية والهواجس المريضة لمحيطه كزفرة قوية خرجت من بين شفتيه على غير انتباه منه .
تلك الزفرة جعلت أستاذه الجالس بجواره يبتسم بود متعاطف وهو يتفرس في ملامحه السابحة في بحر أفكاره … مال إليه هامساً :”إلى أين وصلت أيها المحلق الطموح ؟؟!!”
فتح فتانا اليافع عينيه مرتبكاً وأسرع يعتذر لأستاذه على غرقه في أفكاره ، ضحك معلمه ببساطة وهز كتفيه قائلاً: “لازلتُ أنتظر أن تتذكر أنني هنا منذ ربع ساعة فمن المفترض أنك دعوتني لشرب العصير هنا من أجل التحدث في موضوع ما …!!”
كسر اليافع عينيه بامتنان وهو يقول بأدب : ” شكراً لأنك أجبت دعوتي وسامحني أستاذي لكن بعد جلستنا الأخيرة اتضحت لي معالم الطريق كثيراً … فانطلقتُ بلا توقف مستثمراً مواهبي وفاتحاً أبواب مجدي المأمول بإذن الله لكن …
توقف لبرهة أفلتت خلالها منه تنهيده حارة بدا أنه لن يستطيع أن يكمل بعدها ..
انتظر معلمه أن يستجمع نفسه ويكمل … لكن الانتظار طال لدقيقة كاملة أدرك فيها قلبه الحكيم أن فتاه غير قادر على ترتيب أفكاره وسط ثوران انفعاله…
تفاجأ الفتى بكفي مربيه تربتان على كتفيه وهو ينظر في عينيه مباشرة قائلاً: “لا بأس يمكنك أن تبدأ من أي نقطة مهما كانت … كل شيء يمكننا تجاوزه معاً …. هيا بُني أخبرني…”
أحس الفتى أن كفيّ مربيه لم تحيطا كتفيه فقط بل لقد أحاطتا و احتضنتا قلبه فسرى في روحه نفس ذلك الاطمئنان الذي دوماً ما ينسكب في كيانه كلما جلس مع مربيه الغالي …
سحب نفساً عميقاً ثم أكمل :” لم أعد أعاني مما كان سابقاً فلقد اجتزتُ الكثير من تشوش أفكاري واضطراب انفعالاتي .. أنجزتُ الكثير فأنا بارع في استثمار الروائع التي وهبني إياها الوهاب ويعلم الرحمان جل جلاله أنني ما وجدت إلا الخير من ذلك الاستثمار … أنا الآن اصنع حياتي بعون ربي … بالطبع ما زالت أجزاء الأحجية غير كاملة وهذا لا يقلقني فمازلتُ مستمراً في حل اللغز باستمتاع وثقة … فيقيني أن الوهاب لن يضيعني أبداً …
لكن منذ فترة وأنا أشعر بالرفض من عدة أطراف في حياتي … رفض غريب … أحياناً يكون مختفياً خلف ستار من الدبلوماسية واللباقة، وأحياناً يكون سافرَ الملامح قويَ اللهجة بل وجارح جداً ، لم أعد مهتم أن أكون ذلك البطل الذي لا يختلف على روعته اثنين فلقد تعلمت من ربي ثم منكم أن الإنسان ذو الرسالة الصادقة والواضحة لا يداهن وبالتالي فلابد أن يفترق طريقه مع أطراف لا تتوافق مع رسالته وهذا الافتراق دلالة واضحة على تحديده وثباته على رسالته وتصميمه على هدفه …”
عاد الفتي للتنهد العميق وصمت كأنه يسترجع ذكريات محددة ثم استطرد قائلاً: ” ألاحظ أن هناك من يتحاشى الحوار معي وربما حتى الارتباط معي بعلاقة ود أو شراكة أو تعليم وتأهيل … بل إنني عركتُ مواقف صعبة أسقط فيها البعض ترشيحي لأماكن كنتُ الأقدر على توليها والعجيب أنهم رشحوا غيري ممن يفتقر لمؤهلاتي …”
التفت الفتي بقوة إلى أستاذه وتهدج صوته بنبرة حازمة صادقة وهو يكمل : “أستاذي أنت الوحيد الذي أثق أنه سيتفهم تساؤلي … وسيتسع صدره لتعجبي من ذلك التحاشي الملحوظ لي ولقدراتي ..”
سكت لبرهة تعمق فيها في ملامح مربيه التي بدت هادئة جداً ثم أكمل :” لماذا ؟؟هل أنا لا أصلح لأكون ذلك الجندي النافع والشريك الثقة … بل وحتى الأخ الأمين ؟؟؟؟ هل العيب في سلوكي أم ماذا ؟؟؟”
ساد جو من الصمت الثقيل للحظات هبت فيها نسمات باردة سرعان ما غادرت إلى الأفق الممتد أمامهما ، مرت لحظات انقطع بعدها ذلك الصمت بتسبيحة عميقة خرجت من أعماق صدر الأستاذ ثم أبتدره قائلاً: “بُني هل ترى ذلك الجذع هناك ؟؟”
رد الفتي باستغراب : نعم ..!!
– صف لي ما ترى إذا سمحت ..
– أرى جذعاً كبيراً قد أُزيل لحاءه وغُرس فيه مسمارٌ كبير..!!!
– “هذا الجذع كان يوماً شجرة عملاقة شامخة لكن عندما جاء أصحاب هذا المكان بمهندس لتوسعة مبانيه أشار عليهم بقطع الشجرة لأنه اكتشف أن جذورها تمتد لمسافات هائلة تحت المبني وأكد لهم أن هذه الجذور تهدد أساسات البناء وبشكل خطير … خاصةً عندما تهب الريح القوية فاهتزاز الشجرة العنيف يجعلها تُزعزع الأرض .. ناهيك أن جذورها في توسع مستمر بحثاً عن الماء والغذاء … وهذا كله يؤثر سلباً على الأساسات.”
هز الأستاذ كتفيه بألم وهو يكمل :” فما كان من أصحاب المبنى إلا أن قطعوها فالمساحة هنا أصغر من أن تحتمل زيادة نموها المطردة … وحتى ينهوا حياتها العاتية خلعوا لحاء الجذع بعد قطعها وكتأكيد لموت الجذور ضربوا مسماراً صدئاً في الجذع .”
بدا الاستنكار الصامت في ملامح الفتى .. فأكمل الأستاذ بنفس النبرة الهادئة العميقة :”وهنا يأتي السؤال العسير هل كان خطأ شجرتنا أنها طموحة وعملاقة لتُعامل هكذا ؟؟!!”
رد الفتى بسرعة : “لا لم يكن خطأها لكن من جهة أخرى من حق أهل المكان أن يحافظوا على ممتلكاتهم أيضا ..!!”
مط الأستاذ شفتيه وكأن الرد لم يرق له مع أنه كان منطقياً جداً قائلاً :”صحيح هم لم يخطئوا إلى حدٍ ما، لكن هي أيضاً لم تُخطئ فلقد خدمت الكثير ممن حولها بعملقتها الطموحة … والحقيقة أن المسألة برمتها كانت قدر… بذل الطرفين جهدهما لكن المعادلة لا يمكنها أن تتوازن أبداً في هذه المساحة الضيقة…
إن قدر شجرتنا أن تسقط بذرتها في مكان لا يمكنه أن يسع قوتها وطموحها ولو كان عندها القدرة للانتقال فأنا متأكد أنها كانت ستختار أن تستجيب لنداء أرض الله الواسعة… كانت لابد ستُهاجر إلى فلاة ذات سعة ووفرة تستوعب همتها العالية وطموحها الشامخ ”
-عفواً أستاذي لم أصل لما تقصده ؟؟
-“بُني إن الشخص الموهوب في محيطه مثل هذه الشجرة … ترفضه النفوس التي تدرك أنها لا تستطيع استيعاب سعة طموحه وترامي أطراف قوته … أي عمل … أي مكان … أي علاقة أصغر من تلك العملقة لابد أن تُبعده عنها، ليس لأنه مُخطئ بل لأن الوضع سيكون غير ممكن وغير ملائم…
رفع الفتى حاجبيه باندهاش وقال:”هه .. إنها طريقة عجيبة لفهم الأمور … بهذه الطريقة لن أعاني من إحساسي الدائم بالخطأ والنقص كلما صدمتني جدران الرفض الباردة …”
أغمض المربي المتزن عينيه لبرهة كأنه يزن أمراً بالغ الحساسية، ثم قال بنفس ذاك الهدوء الآسر:” لقد اتفقنا دوماً أن الحياة أعظم و أكثر تعقيداً من حصرها داخل قواعد جامدة ، واتفقنا أن لكل موقف طريقة وزنه المختلفة على أساس التقوى المخبتة لله، وبالتالي فإن فهمنا للأمور من هذه الزاوية لا يمكن أن نطبقه على كل المواقف بل لابد ان نراعي احتمالات أننا حقاً قد نكون قصرنا أو أخطأنا والنتيجة كانت ذلك الفراق الذي قد يبدو رفضاً من أحد الطرفين للأخر ..
لكن الأكيد أن هناك حالات يمكننا تطبيق هذا الفهم عليها ويمكننا أن نهمس لأنفسنا خلالها “لا بأس يا نفسي إن القوالب الضيقة لا تناسبنا مهما كان المقابل…”
ثم التفت لفتاه واستطرد بحماسة وثقة :
“في سورة يوسف تلاحظ أن الذين أخفوا يوسف عليه السلام و أسروه كبضاعة للبيع كعبد في سوق الرقيق كانوا فيه من الزاهدين وباعوه بثمن بخس وبقليل من التأمل يصيبنا العجب من زهدهم في فتى رائع مثل يوسف .. فتى تبدو عليه علامات الذكاء والنجابة والكرم والقوة والنبوغ … فتى في وجهه من إلهامات السماء أنوارٌ و إشراقات .. فمن أين جاء ذلك الزهد ؟؟
سكت قليلاً وكأنه يسمح لفتاه بالتفكير وحين لم يلق أي إجابة أكمل بنفس الحماسة :”الواضح من سياق القصة أنهم زهدوا فيه ليس لعيب أو نقص فيه، بل لأنه غير مناسب لإطار ما يريدونه منه ، إنهم يريدونه مجرد (عبد) وهذا إطار ضيق ومجحف جداً في حق ذلك الألمعي .. و المضحك المحزن أن صفاته النادرة هي التي جعلتهم زاهدين به – على حسب معاييرهم وبغيتهم منه- فجماله كعبد سيغوي نساء مالكيه .. كما أن ذكائه المتوقد في عينيه وقوة شخصيته الظاهرة يجعله عبداً صعب الإذلال ولا يسهل تسييره كأي عبد متبلد، وتلك الطلعة البهية جعلتهم يرجحون أنه لن ينفع للعمل الثقيل في الأسواق والطرقات …”
استطرد في انفعال :”هم لم يفكروا أن هذه الصفات- نفسها- تؤهله لمرتبة أعلى مما يريدونه له … لم يفكروا أنه يمكن أن يكون شيئاً أكبر… لقد ضاق على أُطرهم…
فهل عيبه أنه كبير ومميز؟!!
في المقابل نرى أن العزيز بنظرة متفحصة خبيرة رفعه إلى مرتبة يستحقها فأوصى أن يكرموا مثواه ليتخذه نفعاً له (أي في مكانة وظيفية مميزة في قصره ) أو يتخذه ولداً مقرباً له ، ولقد نجح الأمر كما تفرس فيه فصار يوسف ذلك الموظف الخبير بالحسابات و أمور الدولة والأمين على كل أنواع الأمانات..”
التفت المربي لفتاه وكأنه يختم له بالاستنتاج الأخير :“بُني عليك أن تفكر ماذا يريد لي ذاك الأخر ؟؟ حين تعرف إجابة هذا السؤال سُتدرك إن كان هضمك حقك فأراد لك إطاراً أصغر منك فتمردت نفسك -و حق لها ذلك- ولم تناسبه هو صفاتك الأكبر من إطاره فأعرض عنك، و في هذه الحالة تعرف أنك على حق وأن الله أراد لك الخير.. وبإجابة نفس السؤال ستدرك إن كان الأمر تقصيراً منك وسوء تصرف وتمرد أحمق …
لابد أن ترفض و أن تُرفَض حين يريدون لك أن تكون مجرد تابع أصم وأبكم بينما تتألق روحك القيادية الأبية في كل تصرفاتك … وحين يريدونك موظف محدود الدخل والقدرات وتطمح نفسك للتحليق في فضاءات مفتوحة من الإنجازات والإمكانيات … وحين أرادوا لك أن تكون مجرد واجهة وهم يقرروا لك بينما أمانتك وإبداعك تقرر عكس ما أرادوا … وحين يريدوا أن يضعوك في إناء مقولب وأرادوا لك أن تتأقلم فيه بينما فكرك يمرح في مقاصد و أسرار الأمور و الأفكار … وحين يريدوا باسم الحب أو الحرص أو الوصاية أو الأخوة أن تكون لهم لوحدهم وحكراً لهم بينما أنت سحابة لا تطيق المكوث فخيرها وحبها يتوق للهطل على كل أرضٍ عطشى …
في كل ذلك عليك أن تنطلق إلى السعة التي تناسبك والتي لا تُضيق عليك حياتك وآفاق رؤيتك لعمرك هنا وعمرك التالي بعد مغادرتك للأرض “
بدا التأثر على وجه الفتى الطامح وكأن أستاذه طرح بلسم على جروحٍ متألمة منذ زمن ثم تمتم :”شكراً ..لقد حللت لي ألغازاً لم أكن أستطع فهمها أو وزنها… لكن ..”
اختنق صوته وقد ترقرقت الدموع في مقلتيه فلقد أدرك مغزى كلمات أستاذه بحسه المرهف ثم أكمل :”لكن هذا يعني أننا لن نجد أبداً من يتسع لنا فدوماً إطارات البشر قاصرة وضيقة فهي ناقصة المعرفة ومحدودة الرؤيا فهذه طبيعة البشر … مما يعني أن لا ملجأ لنا إلا …”
توقف وقد تهدج صوته فابتسم الأستاذ إعجاباً بعمق فهم تلميذه النجيب فأكمل بقوة هزت فؤاد الناشئ :”نعم لا يوجد (ما) أو(من) يتسع لنا بمواهبنا وأمانينا وعواطفنا و ألآمنا …لا يوجد أفق مفتوح لنا يحتضننا ويلفنا في كنفه هنا في هذه الأرض … نعم هناك احتواءات جزئية فهذا يتسع لإبداعنا وفكرنا، وذاك يحتوي مشاعرنا، وعائلتنا قد تحتوي آلامنا وأسرارنا وعيوبنا… لكننا نظل أوسع وأعمق وأكثر تعقيداً من أن يحتوينا أحدهم مهما كان…
الحل الوحيد بُني أن تأوي بفكرك وإيمانك إلى الواسع سبحانه ، فالواسع يمتلك آفاقاً معجزة.. آفاقاً مفتوحة .. لا محددوه في كل شيء وكل جانب وكل علم وقوة وعطاء وأمل… و حب أيضاً”
أغمض الصغير عينيه بأريحية وكأنه سافر في فضاء مفتوح ليس فيه من تعقيدات البشر شائبة … شعر بالقبول المطلق و بالثقة الهائلة و الطموحة تتدفق إلى قلبه والأهم أنه شعر بالدفء والأمان وكأن روحه جمعت كل شتاتها في كنفٍِ مريح لم ولن يضيق عليها يوماً …. كيف لا؟!.. وهو الواسع سبحانه …..