وفجأة فتحت عيناها ونظرت إليه مباشرة.. كان الأمر كالمعجزة فمنذ دخلت في حالة حرجة في صباح اليوم السابق أخبره الطبيب أنها تعاني قصور خطير في عدة أجهزة في جسمها، وأنها يجب أن تظل مخدرة تماماً تحت الأجهزة المساعدة..
ألجمته المفاجأة، و لم يعرف ماذا يصنع فتسمر مكانه وعيناه مثبتتان على عينيها الحنونتين.. عيناها التي لطالما عاش عليهما، واقتات على كل معاني الحياة الكريمة التي تفيض منهما.. كانتا هما نفس تلك العينان اللتان تربى في دفئهما.. ما زالتا كما هما لم تتغيران إلا أنهما زادتا لمعاناً وثقة..
كانت تحاول إرسال رسالة معينة له.. حاول التركيز، و الانتباه أكثر ليفهم لكن قناع الأكسجين منعه من رؤية حركة شفتيها.. حاول التركيز على تعابير وجهها.. ركز في تلألأ مقلتيها ليفهم ما تريد قوله….. لكن بلا جدوى.
كم كانت صدمته شديدة حين تحركت يدها بثقل، ونزعت القناع في تصميم ليس بالغريب عليها!!! وبدت ابتسامتها صادمة له في هذا الظرف على نحو مذهل.. نعم لقد اعتاد على رضاها وابتسامتها في أحلك ساعات العلاج القاسية لكن لم يتوقع أن تبتسم وهي في……….!!!!
توقفت أفكاره، و تحليلاته وانشغل عقله في ترجمة حركة شفتيها، وهي تهمس له: “لا فائدة فلا تحزن لن أبقى طويلاً.. ليس هناك ما يمكنك فعله.. سأغادر راضية”
رفض عقله ما وصل له بوضوح وتسارعت أنفاسه وهو يحرك رأسه نافياً ما فهمه.. فأكدت له رسالتها بإيماءات خفيفة برأسها.. وبلا شعور التصق بالزجاج وراح يحرك أنامله كأنه يحاول تلمسها.. غرق كل شيء في الغرفة في فيضانات دموعه التي كثيراً ما قاومها ببسالة.. بدا كل شيء بلا ثمن وهو يطفو في محيط هادر من دموعه التي راحت تسيل بغزارة من عينيه وهو يتمتم: “لا..لا.. سيشفيك الله.. فحياتي محتاجة لك.. كل ذرات وجودي تقتات على حبك، وحنانك..”
أومأت برأسها متفهمة لمشاعره و سالت دموع الفراق من عينيها بهدوء و هي تُرسل له أخر نظرات الثقة، و الإيمان، و الأمان التي نما وترعرع تحت ظلالها. غمره اطمئنان عجيب يخبره أن الله سيعوضه فليصبر.. أما هي فتودُ المغادرة إلى من تحب.. إلى من اشتاقت له جل جلاله بكل جوانحها..
شعر بأنفاسه تتقطع، وفتح فمه ليناديها لكن صوت إنذار الأجهزة سبقه محذراً الممرضات لذلك التسارع الخطير في مؤشراتها الحيوية فأسرعنَّ إليها بينما قامت إحداهنَّ بإخراجه من الغرفة، وهو مذهول يلقي أخر نظراته المحبة عليها..
و ما أن أصبح وحده في ذلك الممر الموحش حتى انهارت أركان جسده المتعب على الأرض، و انخرط في بكاء أليم و هو يحاول كتم صرخاته المتألمة بكلتا يديه.. وعلى الرغم من نشيجه فلقد سمع بوضوح صوت المؤذن للفجر يهز فؤاده لينتزعه من كربته لتلبية النداء.. بعد وقت طويل أو قصير هو لا يدري.. جلس بعد صلاته أمام غرفة العناية كسيراً يدعو الله بدعاءٍ تائه مبعثر.. أشرقت الشمس، و مرت الساعات بلا تغيير عليه فلقد كان في عالم أخر متسمراً أمام ذلك الباب ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى جاءه الخبر الفاجع..
كانت تلك الليلة من أشد الليالي وحشة، وقسوة على فؤاده الغض الفتي.. فحين عاد لمسكنه -بعد استكمال الإجراءات المطلوبة- حين عاد وجد مكانها في السرير كما تركته حين أخذها للمستشفى عندما اشتدت نوبات الألم عليها قبل يومين، حاول التجلد لكنه وجد نفسه بلا حيلة يمرغ وجهه في بقايا رائحتها في المكان منتحباً كطفل صغير ضاع في الزحام، و انفلتت كفه من كف أمه فعصف به الخوف، و الضياع..
كانت كفيه تعتصر الفراش بقوة، و هو يجاهد أن لا تنفلت منه كلمة تغضب ربه.. جهاده كان بطولياً فلقد كان داخله يتمزق بمعنى الكلمة لكن أنى لقلبه المؤمن أن يعترض…..!!!
مضت دقائق ثقيلة وطويلة وهو على هذا الحال أغرق فيها الوسائد، والأغطية بدموع بدت كشلالات لا تتوقف ولا يقل تدفقها…..
توقف فجأة حين لمست كفه شيئاً تحت الوسادة فنهض و فتحه بحنان، و شوق و بعفوية ، علت شفتيه ابتسامة حزينة و هو يتأمل خطها المتواضع الذي لا يخلو من تلك الأخطاء الإملائية التي لطالما علمها في ساعات الصفاء الجميلة أن لا ترتكبها.. مد أصابعه ببطء وراح يتحسس الأسطر وكأنه يتحسس أناملها التي كتبت..
سالت دموعه وهو يغمغم: “أفتقدك.. وحشتيني “
قلب صفحات كثيرة قبل أن يتوقف عند صفحة بدت مميزة و لقد كانت كذلك.. مسح عينيه ليرى بوضوح إنها بحق رسالة منها إليه:
“كيف الحال بني.. يا مهجتي؟؟؟
اليوم……
البقية….. الجزء 3