فجأة تنطفئ كل الأنوار دفعةً واحدة … و لربما على دفعات لم تلحظها في زحمة أيامك … تنطفئ لتصنع لحظة عسيرة يعمُ فيها صمتٌ مطبق وسكونٌ موحش يجمد بصقيعه رواء الحياة في عروقك.
وخلف الأستار المسدلة تختفي الصورُ النضرة و الخياراتُ المتعددة بل وتختفي كل الأبواب المُفتحة… لحظةٌ كأنها أكثر كوابيسك رعباً… كيف لا… وكيانكَ يغرق بكل ما فيه من أنت (الإنسان) في ثقب أسود يجذبك بلا هوادة إلى المجهول المخيف…
يجذبك بعيداً عن خيوط النور القادمة من الأفق… بعيداً عن نوافذ مضيئة كنتَ ترى فيها شبه أمل لنجاتك…
ولوهلة يغمرك الحزن مع أنك في مرابع السعادة… ويأسرك العجز مع أنك في قمة الإنجاز… و تخنقك أنفاسك مع أنك في العلياء… عجباً وهل يهبُ النسيم إلا في الأعالي ؟؟!!!
لوهلة تحاصركَ شكوككَ و مخاوفكَ وتفارقكَ حكمتكَ وكل جدارة تخطيطك … وتجافيك مهارة تقديرك لأولوياتك وموازنتك واتزانك….
هكذا في لحظة تصدمك جدران اللاشيء واللاضمانات… و مع كل ذلك تُرشدك غريزة المقاتل في داخلك لتستعين بمن تحبهم… بمن تثق بهم… وتصعقك الحقيقة أن القائمة صارت فارغة فليس هناك من يستطيع أن يسمع صوتك المبحوح أو أن يمد لك يد العون… وكيف لهم أن يساعدوك- على الرغم من صدق حبهم وقوة قدراتهم – فهم لا يعرفون ولا يدركون ما أنت فيه … وحتى و إن عرفوا فلن يستطيعوا مساعدتك فما ينقذك غير موجود في قواميس البشر… حينها تدرك بوضوح أنهم عاجزون عن مساعدتك تماماً .
لقد حدث كل ما حدث في لحظة أنت في ملكها وخلف قضبان أسرها… لحظة تتعاظم هناك في أعماقٍ سحيقةٍ من نفسك… بعيدة حتى عن متناول يدك أنت…
تكتشف فجأة أن أؤلئك التائهين في خضم حياة فاشلة – حتى هؤلاء- هم في مقياس لحظتك الراهنة يبدون أفضل منك بكثير… فهم تاهوا لأنهم لا يمتلكون خريطة لكنوز حياتهم أما أنت فلقد اجتهدت مراراً وتكراراً لرسم خريطة عمرك بدقة… بل ورسمت لغيرك خرائط كنوزهم وأرشدتهم لمنارات أعمارهم …
ويلح السؤال – كضرب مطرقة لا ترحم على رأسك- أين الخطأ ؟؟ عقلك يتحسسه لكن لا يراه… وقلبك يستشعره لكن لا يدركه… أما روحك فلقد غادرت بلا مقدمات إلى عوالم بعيدة ليس للبشر فيها نفوذ ولا سلطة.
دَعُونا نصارح ذواتنا… فليس (هو ولا نحن) بل (أنت) فلابد أن كل (أنت) فينا مرت بهكذا لحظات… لأننا ببساطة بشر وهذه اللحظة محطة عبور إجبارية علينا في رحلتنا من العتمة إلى النور ومن الشك إلى اليقين…
قد يستنكر البعض ويعلن أن في الأمر مبالغة وأنه شخصياً لم يمر بهكذا لحظات في عمره المجيد … لكن بقليل من التأمل والكثير من المصداقية سيتذكر أنه مر بها لكنه لا يتذكرها لأنه هرب منها … هرب إلى الانغماس في المشاغل أكثر … هرب إلى المهدئات … إلى المغامرات … إلى كل ما يجوز وما لا يجوز … فقط ليتخلص من آلمها وثقلها على نفسه … أليس كذلك ؟؟؟!!
هل اتضح لماذا أدمن الكثير منا الصخب والضجيج… ولماذا أدمنوا العمل طوال اليوم بشكل مبالغ فيه حتى ما يستطيع أحدهم أن يبقى مستيقظاً دقيقة على وسادة فراشه… فجسده منهك جداً… فينام سريعاً حتى لا يفكر …
أصبحنا نفهم لماذا أدمن البعض مهدئات من أنواع عدة عاطفية أو تنظيرية جدلية علاوة على تلك المهدئات الحسية مما يدخل تحت نطاق العادات أو تحت نطاق الأدوية أو حتى المحرمات، أصبحنا نهرب حتى لا نتذكر أننا نهرب…
ولماذا نكابر؟؟!! نحن بشر… ولابد أن نُمتحن بلحظة كتلك… ووحدهم أولئك الشجعان من يواجهون صعوبتها فيُمنحون جائزة الحقيقة والوعي والخلاص…
لو واجهت لحظتك المريرة بشجاعة لأدركت سراً خطيراً جداً… ففي وحشتها تدرك أن خلف الأسباب أسباب وأن خلف الأستار أقداراً و أن خلف مسرح دنيانا كواليس عظيمة فيها فصول هائلة من أقدار حياتنا…
تدرك أنك بلا ضمانات حقيقية و أنك تحيا حياة خطيرة مفعمة بالمخاطر والمغامرات الغير مأمونة…
ولتنجو لابد لك من مساعدة كبيرة … إنك بحاجة ماسة لنور لا يستمد نوره من أي شموس دوماً ما تنطفئ ولا من أي نجوم يدكها الزمن فتأفل…
تحتاج لنور لا يحده شرق ولا غرب ولا تقيسه البوصلات التي قد تضطرب … نور فوق مستوى مواصفات الامتياز في أفهام البشر … إنك بأمس الحاجة ( لمعادلة ) توفيق تربط الحلقات المتفرقة برابط سحري … رابط تكتمل به الصورة في عينيك … فتفهم لما ذاك الجزء و لأي اتجاه يذهب ذلك الخط … فترى صورتك تكتمل فجأة في حين أنها كانت تبدو ناقصة وترى نفسك تبتسم باستعجاب إذ تكتشف أنه لم يكن ينقصها إلا قدرتك على رؤيتها كاملة …
تبتسم حين تكتشف عجزك وضعفك وأنك ببساطة تحتاج أن تُمنح الهداية…
الهداية منحة عجيبة وفهمها لا يمكن إدراكه إلا تحت وطأة تلك اللحظات البالغة الألم ……. لحظات فيها كل أسباب السعادة، لكنها التجسيد الحقيقي لبؤس الدنيا … لحظات مبهمة غامضة لا ينقصها شيء على الرغم من أنها جمعت كل النقص … لحظات جمعت متناقضات لا يمكن فهمها وإن حاولنا قدحت أدمغتنا بشرارات عجز وفشل كامل ينذر بوشك انهيار كامل لنظامنا العقلي ووعينا المنطقي للأمور…
الهداية الحقيقة تتحكم بمصائر الأمور كيف لا وهي من عند الهادي ربنا … أوليس هو مسبب الأسباب و واهب العوالم كل ما تمتلكه ؟؟…. إنها اختصاص حصري لمن بيده كل الحقائق بلا استثناء .
والآن وقد شاب في النجاح شَعر رأسك وعلا في الإنجاز اسمك … الآن وقد شعرت أنك أصبحت فخوراً بما أتممته إلى حد بعيد … الآن وقد أصبحت تشعر أنك تقدر ، لابد أن تعود إلى حجمك الحقيقي فتصفعك إحدى هذه اللحظات …. تقف فيها مستسلماً فهناك عجزٌ يلاحقك من حين لأخر، عجز يدفعك لأعتابه مستفهماً جاثياً على ركبتيك المتعبتين تسأله :”ماذا أفعل ما النقص؟؟ لم يعد هناك شيء أستطيعه فأين الخلل؟؟؟ “
تسأله :”لماذا أنا حزين مع أن الفرح بكل أسبابه يحيط بي؟؟ لماذا قلبي تائه مع أنني رسمت له ألف خريطة ؟؟ لماذا أنا منزعج وقلق مع أنني لم أدخر أي جهد لكسب ضمانات هائلة لحياة آمنة ؟؟..لماذا رحلت روحي؟؟ “لماذا لا أحب من يحبني ؟؟ ولماذا لا أسعد بطموحي الذي تحقق ؟؟ ولماذا لا أستطيع ترك من و ما تركني؟؟”
ولن تسعد أبداً إلا حين تأتيك الإجابات من خلف أستار العظمة … حين يأتيك النور ممن ليس كمثله شيء سبحانه ….. (ومن يهد الله فلا مضل له) .
يمكننا فهم ما يجري حولنا و لنا لو علمنا … أننا بكل علومنا وسعينا في الحياة نتعامل مع نصف الحقيقة فقط … ولو افترضنا جدلاً أننا استوعبنا كل الحقائق الظاهرة فإننا فقط نمتلك النصف، أما النصف الآخر فإنه لا يُشترى ولا يُوهب من الأحبة ولا يمكن تعلمه من البشر ولو بُذل له الغالي والرخيص ……
العجيب أن التاريخ يخبرنا أن الاكتشافات العظيمة والتي غيرت مسارات البشرية في مجالات عديدة من الحياة مثل الفيزياء و الطب وعلوم الطبيعة والكيمياء وحتى الجغرافيا … هذه الاكتشافات حدثت بطريقة أشبه بضربات الحظ أو الصدف إذ أن أصحابها كانوا قد ثابروا وجاهدوا للوصول إلى أشياء أخرى فجاءت هذه الاكتشافات في طريق جهدهم ومثابرتهم … نحن الآن نفهم أنها هدايا الهادي للمجتهدين والمثابرين … هدايا لم يكونوا يحتسبونها ولا تصل إليها خيالاتهم … هدايا هي بحد ذاتها نوع من الهداية الغالية للبشرية للتمتع بكنوز هذا الكون .
هذا الكون الذي يتحدث إلينا بلغة عالمية … لغة بديعة تخبرنا أنه مظهر معجز من مظاهر تجلي أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، إنه نوع بليغ من الحديث المقنع … حديث يقودك للحقيقة الغائبة عنا … تلك الحقيقة التي نشعر بنقص إدراكنا لها ولا نستطيع الوصول إليها إلا بنور الهداية.
الهداية بوصلة البوصلات ومنارة المنارات ومنشأ الحقائق و أصل الأسباب … إنها هناك نبعٌ يعطي كل القلوب حبها لتحب وعطفها لتبذل … إنه هناك يربط المتناقضات بفهم هو أعظم من التفكير خارج الصندوق، شيءٌ لا يأتي بشطارة ولا فهلوة بل بالذلة والانكسار عند بابه سبحانه …
اذهب إليه في أيام عظيمة كأيام التلبية إلى عرفات، وفي أوقات حبيبة إليه كأوقات القيام، وتزين له بقلائد الدموع الخاشعة … وإياك إياك من أذى نعليك … اخلعهما بعيداً فهو لا يقبل الخداع … وقدّم بين يديك قربان حب من اجتهاد ومثابرة بالعمل والأخذ بالأسباب … واهتف:
(رباه إليك عدت بعد بحثٍ طويل ومثابرة عنيدة … لقد أعادني طريقي إليك ودومًا ما يعيدني إليك … رباه هبني قاموسًا لفهم طلاسم حياتي … هبني مفتاح قلبي فلقد فتحتُ قلوب الناس واستعصى على مهارتي فؤادي الذي بين جنبي … هبني رشدًا فلقد تحولت كل ثوابت خرائطي إلى رمال متحركة وكثبان مراوغة … هبني السكينة فإنني خائفٌ حتى النخاع مع أنني غارقٌ في ميداليات الشجاعة والبطولة، ربــــاه لا أعرف مع كل علمي … لا أملك مع كل غناي … لا أقدر مع كل مهاراتي … ولا أصل مع كل جهدي ومثابرتي …
هبني هدايتك التي دومًا تتعهدني بها من خلال إلهاماتك الرحمانية لي ومن خلال رؤياي التي تبعثها لمؤانسة روحي … خذ بيدي فلقد تعبت … تعبت … تأملتُ في الكون لعلي أرى الجواب … تدبرتُ في أقدارك معي ومع من حولي ولم أفهم … قرأتُ كلامك في قرآنك ويبدو أن عقلي تاه عن استيعاب ما أردته لي…
إلهي وحدك الذي تتم به الأعمال الطيبة فهبني نفحة تُحيي بها جسد حياتي الهامد … كما أحييت بنفخة روحك القدسية جسد أبي آدم …
سامح ضعف فهمي وارحم قلة حيلتي … خذ بيدي … أهدني فإنني هدتُ إليك…
من عذاب لحظة الشك إلى نعيم اليقين طريق شائك وناري الوجع ثمن عبوره غالي يشتمل ثقتك بالله وإن تأخر الرد … بحثك المستمر ومناشدتك الملحة … يشتمل على انكسار وذلة لا تفارقك، وشجاعة وقوة تلازم مواقفك وسعيك في سبيل أحلامك.
كل ذلك ولا شيء يواسيك إلا الأمل بتذوق لذة رفع الحجب … و يا لها من لذة حين ترى النور في عقلك وفؤادك … نور يمنحك إشراقاً ترى به ما لم تكن تراه، وتفهم ما لم تكن تفهم، وتبرع فيما لم تكن تقدر عليه … كيف ؟؟ لا تسل عن الكيف فتلك أبعادٌ لا تصلها عقولنا ولا حتى خيالاتنا …
إنها كعصا موسى تضرب بقوة (كلا إن معي ربي سيهدين )… وهكذا تتحقق المعجزات.