(تباً لأطياف ألمي ما لها لا تغادرني )
كلمات من صدى سحيق قد تجلجل في أعماقنا من وقتٍ لأخر على الرغم من كفاحنا المستمر لإسكاتها … تهجم علينا فجأة لندرك أننا لابد أن نستبسل أكثر في نضالنا ضد تلك (الأطياف) حتى تغادر حياتنا تماماً … ولأجل ذلك نحتاج لنورٍ حقيقي من إيمانٍ صادق ثابت يطمئننا بأن الجروح ستُشفى و أن الكسور ستُجبر وأن الحال ستُصبح أفضل مما كانت عليه.
إيمانٌ تُثبته حقيقةٌ علمية عجيبة تؤكد لنا أن عظام الإنسان إذا انكسرت لسببٍ ما ثم عُولجت بالشكل المفروض والمناسب فإنها تنجبر وتصبح أقوى بكثير من العظام السليمة … بل يصبح هذا الجزء المكسور بمتانة وقوة نفس حجمه من عظام فيل بري وزنه طن، ونفهم أن ذلك يعود لعدة أسباب منها أن هذا العظم المكسور حصل على اهتمام الجسم بكامله ولهذا تكون خلاياه أكثر حداثة وأغنى بالمواد من العظم الذي لم ينكسر، حقيقة علمية مذهلة تقودنا للإيمان بأن الكسور يمكنها أن تصنع فوائد هائلة لا تصنعها الحالة الاعتيادية … وبذاك الإيمان فإننا نطمئن أن الجروح لابد أن تندمل، والألم لابد أن يُورث صحة وراحة … فقط حين نتعامل معه برعاية طبية صحيحة و متقنة …
إن الإيمان بهذه الحقيقة يجعلنا نفكر في كيفية معالجة جروحنا بدلاً من الفزع بعد الإصابة وترك نفوسنا تضيع في دهاليز الهم والتندم على ما حدث وكيف حدث…
لعل هذه القناعة ممكنة التصديق بل والاعتقاد حين نتكلم عن جروح الجسد … حين نتحدث عن ندوب الجسم مهما كان سوؤها … فالطبيب الماهر بإمكانه إقناع مريضه أن الأمور ستكون على خير ما يرام و أن أقصى ما سيبقى هو نُدبة ضرورية على الجلد كتذكار لا أكثر …
قلما يخلو أحدنا من هكذا تذكارات تراها تحمل في طياتها ذكريات مؤلمة وأخرى شائقة بل بعضها قد يصبح حديثا مازحاً نتبادله مع الصحبة في ليالي السمر الممتعة …
الندوب الجسدية تعتمد في أثرها المتبقي في أجسادنا على عدة عوامل منها (طبيعة الحادث) نفسه فالقطع يختلف بالتأكيد عن الحرق … كما أن (عمق الجرح واتساعه) لهما أثر كبير في تحديد شكل وحجم الندبة … ولا ننسى (مكان الجرح) فجروح الوجه أكثر وضوحاً وحساسية من جروح بقية الجسد … لكن كل تلك العوامل تشكل 40 إلى 50 % تقريباً من حيثيات تشكيل هيئة الندبة وما ستؤول إليه مستقبلاً، أما العامل الأكبر فهو بلا شك يكمن في كيفية التعامل مع الجرح عند الدقائق الأولى لوقوعه وهذا هو الأساس الهام ومن ثم يأتي الأثر الهام للرعاية الصحيحة و المتابعة حتى الشفاء التام.
تلك الجروح التي تُهمَل – أو يتم مُعالجتها بجهل متسرع ونقص دراية وخبرة – … لابد أن تترك آثاراً بالغة تتعدى كثيراً الندبات أو التشويهات فغالباً تصبح إعاقات دائمة ترافق صاحبها إلى قبره …….
تلك الأسطر سيقت لجروح الجسد خضنا في تفاصيلها لعل إدراكنا يقترب من فهم ما سنتحدث عنه من جروح أرواحنا وأنفسنا وعواطفنا ذات الأغوار السحيقة … تلك الجروح التي أورثتنا ندوب وتشوهات لا يعلمها إلا الله وربما يشعر بها بقايا إدراكنا المتعمق أحيانا.
نعم ( بقايا إدراكنا) فكثيرٌ منا – إن لم يكن الأغلبية – لا يعلم عمق جروحه بل قد لا ينتبه لأعراضها … فتجده لا يدرك أسباب خوفه من هذا أو حزنه في وقت كذا … كثيرٌ منا لا يفهم لما تحسس من تلك الكلمة ولما فاضت دموعه لذاك المشهد العابر؟! ولماذا انفلتت نفسه من عرينها كسيل خارج نطاق السيطرة في موقف ما؟!…. غالباً لا ندرك لما كل ذاك الغضب ولما كل هذا القلق … و لربما غفلنا – أو تغافلنا – عن ألف ألف سور تعالى بيننا وبين من نحبهم … بل بيننا وبين ما نؤمله … لماذا؟؟ لا ندري …
يبدو أن السبب يكمن في جيوب الألم المختفية في أعماقنا … جيوب عميقة أخفت داخلها ندوب وإعاقات وجروح لم تندمل … وكسور لم تنجبر … وتشوهات أعمانا عنها الجهل أو النكران … أو الانشغال، وعلى ذلك تظل نفوسنا كهوف عميقة سحيقة … لم يكتشفها أي مغامرٌ جسور … كهوفٌ جاثمة على صمتٍ ونارٍ وكذلك على (كنوزُ قدراتٍ) هائلة نحن أنفسنا أجهل بها من غيرنا …
لكن جهلنا بها لا ينفي وجودها المؤثر بعمق في حياتنا …
أتُرى ذلك الشاب اليافع يستطيع تجاوز شظايا معاناته في طفولته …؟؟!! أتراه ينسى ليالي الحرمان وقسوة نشأته في عناء الجوع ولذعات الإهمال والعقاب الظالم … مع أنه كان بين من يُحسَبون عليه- زيفاً – أهلٌ و أقارب رحم؟؟!!.
ربما تجاوز جسده آثار الضرب و البرد في ليالي العقاب المظلمة … فمع فورة الشباب زال الألم وبقيت بضع ندوب يتهرب من الإجابة كلما سأله أحدهم عنها أو لربما جعلها موضوعاً للسخرية اللامبالاية …
ومع ذلك … أنّى لروحه المكسورة أن تنجبر؟؟!! … أنّى لنفسه أن تنسى وتشفى؟؟!! … لابد أن تظل تلك التشوهات في أعماقه ترسم ردود فعله المتألمة الغاضبة المكبوتة طوال مستقبل طويل من حياته.
تثبت ذلك الإحصاءات التي تؤكد أن 80 % من الذين تعرضوا للاضطهاد أثناء الطفولة يمارسون نفس الاضطهاد حين يكبرون …
وما الأقسى من احتراق قلب مربي أو معلم … أو أم أو أب حين يخيب أمله فيمن رباه للمعالي … فسقاه مع الطموح الكثير من الحب والحنان بلا بخل … ونماه بالتربية والثقة … ثم جاءت النكبة من حيث كان يُتوقَع السعد …
كيف لذلك القلب أن يداوي جرحه؟؟ … نعم إنه لازال في حبه الصادق- وهل يطيق المحب الصادق أن يبغض ؟؟!!-
ومع كل خيبة الأمل لازال يتمنى أن يعود ذلك المخطئ لما يجب أن يكون عليه … لكن ذلك الحب وتلك الأمنية لا تغلقان جرحه الذي يظل مفتوحاً لاهباً يتصبر بالدعاء والنجوى الشاكية لربه.
وبرد فعل طبيعي يصبح ذلك القلب مصمماً أن لا يفتح آماله أبدا ًبعدها لأحد، ولفترة طويلة يظل الخوف و الحذر و القلق يلاحقه ويخنقه مع كل حبٍ يافع يترعرع أمامه ومعه..
وعلى ضفة أخرى نجد أن من المحال أن يموت ذلك الغضب والألم في نفس من تعرض لأي تحرش أو مضايقة جنسية أو أخلاقية خصوصاً إن حصل ذلك في الصغر … تظل تلك الذكرى جاثمة على روحه كالجبل الملتهب تمنعه من العيش بهدوء وسكينة، وكأن الانتقام بركان يغلي داخله يحرق أركان فؤاده، فلا هو يهنئ بحياته ولا يدري متى ينفجر … وقد يلاحظ أو لا يلاحظ نوبات وردود فعل غامضة وقوية عند ذلك الحدث أو تلك المناسبة …
وكم تكون صدمته حين يدرك أنه- ومنذ أمدٍ طويل – وسط سجن فكرة ضيقة مفعمة بالحنق والغضب .
وكيف لذلك المسكين أن ينسى جزءً حبيباً ودعه في حياته حين رحل عن الدنيا ذلك الحبيب الغالي أخِذاً معه- وللأبد- ذلك الجزء الدافئ من تلك الروحٍ التي أحبته …
جزءٌ من خياله ونفسه وبهجة حياته … رحل بعيداً، فلا الشوق ينتهي و لا اللقاء ممكن … كيف له أن ينسى والحنين يؤرقه كل يوم …؟؟!!
ومع أن الموت هو الفجيعة الكبرى للبشر إلا أن العجب أن نجد أحدهم يتمنى لو أن من أحبهم كانوا قد ماتوا منذ زمن وفقدهم للأبد على أن يخسرهم بمرارة الخيانة …
الخيانة و ما أشدها على النفوس فهي أشد الجروح عمقاً واشتعالاً و حرقة … بل هي الأفظع على الإطلاق في عالم الإنسانية … إنها تذبح حياتنا ذبحاً، فكيف لنا أن ننسى كيف كنا مستَغلين ومستدرجَين لأجل مصلحة وغاية حين انتهت رَمى بنا من أحببناه ووثقنا به عند أول فرصة …
هيهات أن تندمل جرح زوجة وهبت عمرها وشبابها وعطاءها بلا حدود لزوجٍ لا يستحق ولم يقدر … هيهات أن ينسى الأخ أن من ربط حياته بروحه قد باعه لأجل نزوة أو صفقة أو حتى كلمة واشٍ كاذب … وغيرها صور كثيرة دامية.
الأمان هو أقصى ما ترجوه أنفسنا وتجتهد في نيله لتهنأ وتسعد … والخيانة تذبح هذا الشعور من الوريد الى الوريد .
بعد كل ذلك كيف نغفل أن كل بلاء و ألم في حياتنا يخط في داخلنا خطاً و يخدُ أخدوداً عميقاً … يرسم تضاريس وملامح لما سنكون عليه إن لم نعالجه كما تُعالج جروح الجسد تماماً .
الإهمال … النكران … الرفض … التغافل … واللامبالاة هي أغلب ما في قاموسنا للتعامل مع جراحاتنا، نظن أن دفن رؤوسنا في الرمال سيحل المشكلة و نتفاجأ بعد مدة بأن نفوسنا أصبحت عليلة بل قد تكون معاقة داخل أجساداً تبدو في خير وافر …
ما معنى إذن أن لا نتذوق الحياة بكل لذاتها؟! … ما معنى أن لا نرى الجمال كما تراه عين الطفل النقية ؟ ما معنى أن قلوبنا أصبحت لا تعرف كيف تحب؟! … كيف ترحم ؟؟!! بل كيف تستمتع بود من يهتم لأمرها ؟!… ما معنى أن تتبلد حواس أرواحنا فلم تعد تسمع أو تشعر أو تتذوق وكأنها عضو أصبح ذو جلد وعصب ميت فقد كل إحساسه …؟؟؟
إنها الندوب والشظايا المنسَية تقيحت وتفاقمت آثارها … حتى استوت الألوان في أعيننا فكل شيء أصبح رمادياً صامت الصوت راكد الحس …
قد يتساءل أحدهم وكيف نعيش إن كنا على هذه الحال ؟؟
نعيش بالطوارئ وبالضروريات وبالمنافسة لما حولنا … هذا كل شيء … الحقيقة أننا محبوسون في (مربع الطوارئ) إلا من رحم الله.
الروح الحية حقاً تعيش في (مربع الطموح والقيم السامية) … في (مربع التشارك والارتقاء) أكثر مما تقضيه في مربع مزدحم هي فيه مجرد زر استجابة لمطالب وطوارئ لا تنتهي.
كل ما ذكرناه سابقاً لم يكن لرسم صورة قاتمة ننتحب على أطلالها … لا، بل كانت لنبني قاعدة متينة يمكننا أن نقف عليها معاً لنعترف بما نعانيه … أن نتقبل ضعفنا بنضج متفهم … أن نخرج من تيهان الغفلة والرفض و التشاغل إلى وعي المواجهة الشجاعة لما نحن عليه من ضعف بشري … وما يجب أن نفعله حياله.
إن هذا الوعي سنجده تحت ظلال اسم الله (الجبار) …
اسمٌ يعطينا طيفاً متناسقاً من الفهم والقوة مع المواساة الودودة أمام كل ذلك وأكثر منه مما لا يعلمه إلا ربنا، و في ظلاله نجد أنفسنا في أشد الحاجة أن نبحر في سبحات نور اسم ربنا ( الجبار) … اسمٌ كل ما فيه يربت علينا … يضمنا في كنفٍ آمن لا صخب فيه ولا خوف ولا ألم … كنفٌُ كل ما فيه يهبك العوض والحنو و التفهم … باختصار يهبك كل ما يحتاجه المتعب الكسير …
اسم الجبار من الأسماء البالغة الإعجاز في تراكب معانيها فالجبار يحمل ثلاث معانٍ: الأول هو ( العظيم الذي لا يناله ولا يطاوله شئ )،
أما المعنى الثاني فهو( من معنى الإجبار أي الإكراه فهو الذي يُنفذ مشيئته على من يشاء وكيفما يشاء إنما أمره كن فيكون) ،
والمعنى الثالث فهو (من الجبر أي المداواة والتعويض فهو جابر الخواطر و مداوي الكسير وكما قال الرسول {الحزانى في كنف الله })
العجيب أن المعنيين الأوليين يحملان معنى القوة والشدة التي تبعث الرهبة فينا، بينما المعنى الثالث يحمل الود والرقة بل وقمة الحنان … بشيء من التأمل نجد أن المعنى الأول والثاني يدعمان المعنى الثالث بقوة ولا يتناقضان معه فهو العظيم الذي لا ينال والنافذ المشيئة المُكره للجميع على ما يريد – إنه كذلك سبحانه – ليجبر كسر الكسير ويقوي الضعيف وينصر المظلوم، إنه عز وجل يقصم الظالم لأجل المظلوم وينتزع من الطغاة ما يريده سبحانه لينصف المكسورين … إنه في قمة القوة والشدة من أجل هؤلاء الحزانى الذين هم في كنفه .
أيُّ اهتمامٍ ورعايةٍ هذه!!! .. أيُّ تقدير لهذا المكسور الحزين !!! يا لهذا الحرص والعناية والترفق بهم … هذا وهو الرب المتعال العظيم…
فأين المتخلقون بأخلاق ربهم ..؟؟ أين الأقوياء العظماء الذين لا تمنعهم حالهم القوية عن تفهم حالة هؤلاء المكسورين….؟؟؟ أين الذين يتعاطفون مع أولئك الضعفاء وكأن ما بهم من ضعف قد لامس قلوبهم مع ان القوة تملؤها ؟؟
كيف ينسى هؤلاء الأقوياء كيف كانوا فَمنًّ الله عليهم ؟!.. كيف أنه سبحانه استمع لنجواهم … كيف لم يعاتبهم حتى المعاتبة بل أخذ بأيديهم إلى الفرج والعوض … أطال عليهم الأمد فأصبحوا يستكثرون على أمثال هؤلاء جلسة مواساة وتعاطف صادق؟؟!!.. جلسة ندية صامتة منصتة ليس فيها مكاناً للتنظير ولا الأحكام ولا التوبيخ ولا العتاب … جلسة فقط للمداواة والحب و الجبر … تماماً كما يداوينا الله في لحظات المناجاة الساحرة …
هذا كله يقودنا لوجوب الترفق والتمهل حين ندخل حياة غيرنا … حين نضطر لمشاركتهم حياتهم من أجل العشرة والصحبة أو التربية أو حتى العمل والتوظيف … ففي كل الأحوال هم بشر وواجبنا القدسي أن نتعامل مع نفوسهم بتقدير وتمهل وترفق يجعلنا نحذر أن نطأ لغماً خفياً ينفجر بنا وبهم … ترفقٌ حكيم يجعلنا ننصت قبل أن نحكم، ونحب قبل أن نُنصب أنفسنا قضاةً بارعين … تمهلٌ يجعلنا متبصرين للدوافع وما خلف الأسطر قبل أن نحلل الأحداث ونصف الوقائع فغالباً سنكتشف أن الحقيقة معاكسة تماماً لما يبدو … سنكتشف أن ما يبدو عناداً إنما هو رد فعل مبالغ فيه لإخفاء خوف كبير من الاقتحام … وأن السخرية هي نبعُ من مرارةِ متألم لم يعد يدري ماذا يفعل بقلبه الممزق … سنكتشف أن العيون الجافة ليست قاسية بل هي عيون جفت من كثرة البكاء…
هلّا نكف عن تعاملنا المتبلد مع بعضنا البعض ؟؟!! … يظن أحدنا أن ذلك المتجلد الواجم القوي أمامه شخصاً من كوكبٍِ أخر فلا يتألم ولا يضعف … ونظل نمعن في الضغط والطرق في من نظنه لا يتأثر … فإذا بذلك الفذ ينهار أو ينفجر دفعة واحدة …؟؟!!
مهلاً، فلا أحد مستثنى من البلاء والضعف … رفقاً بذاك العملاق فإنه مخلوق من ذلك الضعف البشري … ضعفٌ مستخفي يهتف بنا:”مهلاً … لا تعاقبوه إن جاهد ليبدو قوياً ونصب كتفه لتصعدوا عليها … لا يغرنكم قوة عزمه واندفاع همته … يظل البشر بشراً … لا تظنوه من حديد ونار لا يتعب تحت نوائب الزمن …”
ويحنا إننا نقتل عمالقة حياتنا قتلاً حين نتركهم للهم والتعب ينهش فيهم وسط وحدتهم زاعمين أنهم أقوياء وعمالقة ولا يحتاجون ليد المواساة … فحتى رسول الله احتاج لمؤانسة الصديق … احتاج لحنانه ورقته وصدق عينيه وهو يكرر عليه … (هون عليك يا رسول الله فإنك على الحق ولن يخذلك الله أبداً )
كلمات ود وحب وتثبيت هي ما يحتاجه أولئك العمالقة لتتفجر طاقاتهم من بعدها فلقد تحرروا من الألم بلمسة شافية حنونة من يد واثقة ومتفهمة …
الأمر يتعدى أن يكون أحدنا على الخطأ أو الصواب، الحقيقة تكمن في أننا بشر نحتاج لمن يؤنس وحشة دربنا … أننا لا نملك إلا أن نكون لبعضنا عوناً وسنداً … شيء من التعاطف شيء من التفهم والثقة المتأنية تُنفس عن كل إنسان منا همه وكربه … تبعد عنه إحساسه بالوحدة القاتلة … تلك الوحدة التي أصبحت سوراً يلف كل منا ويعزله كجزيرة نائية عن الآخرين.
يمكننا أن نجعل الكل يحبنا وحتى – إلم يفعل – فإنه سيحترمنا، يمكننا أن نجعل من نَقُودهم في أعلى دافعتيهم وانطلاقتهم، يمكننا أن نمنح أبنائنا مستقبل مشرق، يمكننا أن نعلم من حولنا كيف تكون حياتهم أفضل، يمكننا أن نصلح ما أفسدته النزوات في قلوب المتعثرين والخاطئين … يمكننا فعل ذلك وأكثر من عمارة أرضٍ هانئة تحت ظلال إنسانيةٍ كريمة تقدر كل ما خلق الله …
يمكننا فعل كل هذا فقط حين نتقبل أننا بشر وفينا ضعف وأن علينا أن نمد أيدينا لبعضنا لنزع الشظايا و مداواة الجراح بصبرٍ وكرم … أن نفعل ذلك ونحن مؤمنون ان الجبار لن يدع كسراً بلا جبر وأننا مجرد أسباب مسخرة لبعضنا البعض … فقط علينا أن نسلك الأسباب الصحيحة وأن نرجوه ليباركنا ويوفق سعينا …
إنها المتاجرة بأسهم المشاعر التعاطفية فهي أسهم مضمونة الربح والنجاح حيث تشمل 80% من نجاح كل مدير ومربي بل وكل وظيفة وعمل اجتماعي بشري … والأكثر من هذا فهي حجزٌ أكيد لعقارٍ لا محدود المساحة والخدمات في الفراديس العلى … و الأروع من كل ذلك فهي ضمانٌُ لمكانٍ دافئٍ هانئ في كنف الله … فحاشا أن تكون أكرم وألطف منه سيجزيك من نفس عطائك … و المقياس هنا هو (بلا حساب )…
إن روح التعاطف الساعية لجبر كسر الآخرين قبل الحكم عليهم أو منافستهم أو استغلالهم تحت أي مسمى أو هدف … تُعتبر هبة ربانية وهي بحق إكسير الحياة المنشود … إكسير معجز … ضعه في كلماتك فتصبح خالدة … ضعه في حبك فتنفتح له كل الأبواب الموصدة وتهفو إليه القلوب … ضعه في عينيك فتصبح شاطئاً ترسو عليه السفن الضائعة … ضعه في قلبك فلا يغادره من تحب أبداً مهما حصل بينكما من زلازل المحن و الخلاف … ضعه في عقلك فينطلق إبداعاً سعيداً بلا حدود …. ضعه في روحك فتظل عالية مشرقة مهما دارت عليها رحى الزمن …….
ولا عجب فهي روحُ في كنف الله.