يا شقوتي بمواهبي

 أرسل نظراته في الأفق البعيد لعل تلك السعة تمنحه شئاً من المتنفس يفلت به من ذلك الضيق الذي أحاط  بنفسه … وما لبث قليلاً حتى غمغمت شفتاه بالدعاء حين هبت عليه رياح باردة تبشر بمطر قادم …

للحظة لاحت على شفتيه شبح ابتسامة متعجبة حين لاحظ إسراع الطيور في الإياب إلى أعشاشها تأكيداً على انتهاء هذا اليوم …..لكنه لا يوافقها فهو لا يريد المغادرة ….لا يريد أن يترك هذه الآفاق التي بدا – متأكداً – أنها ستمنحه إجابة  للسؤال الذي أجهد عقله وأنهك روحه … أغمض عينيه ساحباً نفساً عميقاً حين بدأت قطرات الماء العذب تسقط عليه بحنان ورفق …وكأنه يحاول الدخول في حوار صامت حكيم معها على نفس إيقاعها الهامس…

أدرك لبرهة أن هذه القطرات تعرف ما يجهله……ظل على حاله المتأمل حتى تناهى إلى مسامعه صوت دافئ من خلفه يُلقي السلام، التفت راداً التحية بأدب وقد اهتز قلبه حباً لهذا القادم ذو الابتسامة المشرقة التي لطالما منحته الأمل والحب والهمة .

مرت دقائق في السلام وتبادل الجمل الودودة عن الحال والصحة… ثم عم الصمت الثقيل  فصاحبنا اليافع مخنوقٌ بعبرته ولم يشأ أن يلاحظ أستاذه ومعلمه أنه لازال يعاني مما قد سبق وشكا له بعض عناوينه. 

لكن ذلك المربي الرءوم  لم يكن يحتاج للشرح من تلميذه النجيب فصمته كان أبلغ عنده من أي كلمات معبرة …. وبمهارة لا يجيدها إلا أصحاب القلوب المحبة فتح الأستاذ لفتاه الحيّي حديثاً خفيف الظل حول ذلك المنظر الجميل الممتد أمامهما، ومن بعض نبرات مميزة في ردود الفتى أستشف معلمه أنه متقبل لوجوده بجواره الآن …. وعلى هذا القبول بدأ في  إحاطته بمشاركة رزينة عفوية  فأخبره أنه سعيد بالجلوس تحت هكذا مطر… إذ لابد انه سيزيل عنه كل همومه التي جاء  بها، كانت كلمات المربي المنتقاة صادقة  وقريبة إلى النفس ففجرت في قلب الفتى كل ما جاهد لكبتــــــــه    فرد بقوة : “لكنها عاجزة على أن  تغسل ولو  ذرة مما أعانيه من حيرة وحسرة”.

تلاقت عيناهما لبرهة ثم كسر الفتى عيناه الغارقتين في بحورهما الحزينة في أدب حين شعر بكل تلك القوة الحكيمة في عيني مربيه ثم استطرد بقوة :”صدقني لقد حاولت أن لا أقف في هكذا حال…. لكن….”.- اختنقت كلماته بالعبرات…وهو يكمل – :” لماذا لماذا ؟؟؟لماذا لا أجد إجابة لأسئلتي عن سر تلك المواهب التي اشعر بها تشتعل في عقلي و عاطفتي وكل جوارحي؟ أدرك أنني مميز بشكل ما .. لكن لماذا أنا أمتلك ما أمتلكه ….؟؟؟ كل تلك المواهب أصبحت ثقلاً على كاهلي …لم أعد أستطيع العيش كإنسان عادي فالكل ينظر إلي على أنني مميز ومهما حاولت أن أبدو باهتاً وعادياً تألقتُ أكثر … أعاني من حسد البعض .. وحقد الآخرين .. البعض يعاملك بإهمال متعمد نكايةًً لتميزك بينما يطاردك الآخرين باستغلال مؤلم… ناهيك عن الطمع المفرط من هذا وذاك في ما  لست أثق أنني استطيع أن أمنحهم إياه … ووسط صراعي مع من حولي أجد  نفسي لا تساعدني البتة “- هنا اشتدت نبرات صوته بحنق وضرب السور الذي يقف أمامه بقبضتيه في غضب- مكملاً: “لا تساعدني ألبتة…. إنها تأخذني بعيداً في آمال وعواطف وأحلام تؤلمني أكثر مما تسليني وكأنها ملحاً يزيد الجروح الملتهبة حرقةً و ألماً ….”

رفع الفتى رأسه فجأة ونظر في عيني مربيه وكأنه يستنجده هاتفاً وسط دموعه المنهمرة بقوة هادرة كسرت أسوار تجلده وتماسكه : “لماذا لا أستطيع أن أشعر بالهدوء لا في نفسي ولا مع من وما حولي لماذا عليَّ أن أخوض كل تلك المعارك من الوحدة والصدمات ؟؟؟ لماذا حتى لا أستطيع التناسي والتغافل ككل هؤلاء الهاجعين ..لماذا ؟؟؟”

رد مربيه بهدوء حنون متفهم : “لأنك تملك مواهب أكثر مما يمتلكون…مواهب تؤهلك لمهمة كبيرة …”

انفجر الفتى هادراً :” نعم أعرف أنني أمتلك ما لا يمتلكه غيري لكن لأجل ماذا ؟؟ لماذا أفهم  الأمور أعمق من الآخرين إن كنت لا أستطيع فعل شيء بهذا الفهم ؟؟؟ماذا أفعل بكل هذه العواطف المحبة لكل من حولي ؟ ماذا أجني من كل هذا الإحساس المرهف وكل تلك الأفكار والتحليلات التي تنهال على عقلي بلا توقف؟؟”

لوح بيده بانفعال كبير وهو يكمل :” كل ما حولي يعرف ماذا يريد من مواهبه ومما يمتلك …أما أنا فليس معي إلا آمال مبهمة وعروض متضاربة وكأن الجميع يظنك غنيمة يتسابقون لمجرد استغلالها لكن هل سيخبرونك إلى أي شئ ستؤول إليه نهايتك ؟؟؟”

ارتفع صوته بغضب : “لا ..إنهم لا يفعلون ذلك … فقط يستغلونك لما يريدون بغض النظر عن غاياتهم، لكن لا أحد يجيب على أسئلتك …”

أجابه معلمه بنفس الهدوء ونفس النبرة : “لأن الأمر لا يهمهم فليس مهمتهم أن يجيبوك ، إنها مهمتك أنت أن تبحث عن إجاباتك بنفسك لأنك أنت الموهوب صاحب القدرات والأعطية الفريدة  “

التقت عيناهما لدقيقة فقد صدمت هذه الإجابة القوية قلب الفتى الحانق المحبط فغمغم في انكسار وقد استسلم لنوبة بكاء محرقة:

دعني ولا تنفس عليّ مواهبي                      خذها وخذ ألمي  بها ومتاعبي

دعني فلستُ كما حسبتَ منعماً                    بمواهبٍ ملكت عليَََََّ مذاهبــــي

دعني أعيشُ كما يشاءُ لي الأسى                   لا  كنتَ مثلي لا دهتكَ نوائبـــــي

إنّي شقيٌ ..لو علمت دخائـــلي                      فـدع المظاهرَ.. لا ترعك جوانبي

الناس تقنع بالحياة وترتضي                          منــها محاسناً شُوهت بمثــــالبِ

والنابغون تؤزهم أدرانـــها                              يبغونها لم تمتزج بشوائب ِ

حسٌُ أرق من النسيم يهيجُه                           ما قد يمرُ عليه مرّ اللاعبِ

وهي الحياةُ لمن يرقُّ شعوره                         ألمٌ ، وان يكثف فلذةُ راغبِ

من لي إذا جنّ الظلام بهدأةٍ                           كالهادئين ومن يطمئن جانبي

البائسون إذا سمعتُ أنينهم                            أحسستُ أن مصابهم هو صائبي

والباسمون إذا شهدتُ ثغورهم                        هاجت حنيني للصفاء الذاهــبِ

والبُعد يؤذيني و ربّ مفارقِ                             لم يؤذه يومـــاً تنائي غائـــــبِ

دعني أعيشُ معذبا ًمتألما ً                               بمواهبي ..يا شقوتي بمواهبي

أنصت المربي الرحيم لفتاه المحزون في اهتمام بالغ وحزَّ في نفسه انخراطه في ذلك البكاء المؤلم الذي لم يره منه قبلاً، لقد عهده منطلقاً متبسماً متفائلاً وعنيداً في الغالب …تنهد بعمق وأحاط ذلك الجسد المهتز المبلل بذراعه في حب وضمه إلى صدره بود دافئ ذو سعة عجيبة شعر معها الفتى بالأمان و الأمل فازدادت موجات بكاءه قوة و كأنها بركان خامد لآلاف السنين وجد أخيراً طريقاً للخروج .

وبثقة متينة لا يملكها إلا من عانى نفس الكرب ثم نجا …راح المربي يمسح على رأس تلميذه النجيب وهو يهمس في نفسه : وحده الله يعلم ما الذي مرّ بك يا صغيري من صراعات وصدمات من الأقربين قبل الغرباء … وحده الله يعلم ما الذي فهمته مما يدور من حولك فأثقلك هكذا …. مهلاً بُني فمازال الطريق يحمل المزيد… لكن أمثالك لا يمكن أن  ينهزموا  أبداً ….، كان المطر قد اشتد لكن أياً منهما لم يشعر بذلك فحرارة الموقف كانت أشد … ووسط كل ذلك شعر الفتى بدعاء أستاذه الهامس لأجله …. ولكم أدهشه أن ثورة انفعاله بدأت تهدأ بشكل عجيب وكأنها تنطفئ رويداً رويدا ً كما يخمد المطر النار المتقدة .

 مر وقت طويل أو قصير قبل أن يرسله أستاذه من تلك الاحتضانه الأبوية ….احتضانة منحته سكينة عجيبة … أدرك أن هذا بالتأكيد هو بركة دعاء و صدق ذلك القلب المؤمن الواثق فتمتم معتذراً عما بدر منه ، هزّ معلمه رأسه وهو يقول:” لا عليك بُني …فكلنا لابد أن نمر بأوقات نضعف فيها … أنا سعيد أنك تقبلت خوفك ونفّست عن حزنك فهذه أول الخطوات للحل …. فما الفائدة أن نتظاهر بأننا أقوياء فقط لأن الآخرين يريدوننا كذلك …. أنا مرتاح أنك صادق مع نفسك كما أنني أشكرك على ثقتك بي إذ صارحتني بحقيقة ما تشعر مع أنك تمتلك قدرة فائقة على المدارة والتمثيل كما عهدتك”

ابتسم الفتى وسط دموعه ثم مط شفتيه بحيرة قائلا : “وما الفائدة من كل ما قلته مجرد إهدار للوقت والدموع؟؟”

رد أستاذه بهدوء :”الأمر ليس كذلك ، إن طرح معاناتنا للنقاش والمشاركة مع من نحسبهم سبقونا في الطريق هو  من أهم موجبات النجاح وعزائم القوة …. ثم أخبرني متى كانت نعم الله علينا لأجل شقائنا ؟؟؟…. إنها ليست كذلك أبداً، الثغرة تكمن في فهمنا لغاية امتلاكنا لها ….. فهذه المواهب لها ثمن ندفعه من عواطفنا وراحة أنفسنا، لكن هذا الثمن مهما كان عالياً لا يقارن بالربح الكبير الذي يفترض أن نجنيه من وراء استغلالها والتمتع بها …. إن تلك الأثمان تصبح مصروفات باهظة وزائدة حين لا ندرك الطائل من ورائها ولو علمنا لكانت رخيصة جداً مهما علا مؤشرها …..

هناك أمور لا يمكن أن نفهمها بعقولنا فجوارحنا لا تحيط بكل شئ ولهذا فمعطيات المعلومات ناقصة في تفكيرنا وبالتالي أحكامنا على الأمور أيضاً ناقصة والحل هنا هو أن نستشعر ما خلف المنظور …..”

نظر الفتى لأستاذه مستفهماً فهز الأخير رأسه مؤكداً واستطرد : “نعم الثقة … الإيمان أن هذه المواهب هي هدايا السعادة لنا من الوهاب سبحانه وليست العكس… نحن نظنها حملاً زائداً بل أحياناً نعتقد أنها تضر بنا.. والسبب أننا لا نستعملها مع أن ضرورة استعمالها ستأتي لا محالة وإلا.. ما الحكمة من كوننا خُلقنا بها؟؟!! “

الجنين في بطن أمه يظن أن رئتيه زائدة وأنه لا يحتاج لأجهزته الهضمية، ولماذا يمتلك  فم وعينان فهو يسبح في بركة رغيدة من الماء في ظلام دامس، وكل ما يريده ويحتاجه يأتيه عن طريق الحبل السري …. فما الحاجة لكل ذلك الزحام داخله؟؟! ولو كان الأمر بيده لما أكترث ببناء كل تلك الأجهزة الحيوية … إذ أنه – يظن بقصر فهمه – أنه سيظل في هذا الكون الرغيد الخاص به للأبد …. وما علم أنه لابد سيرحل إلى مرحلة جديدة وسيحتاج كل ما وُهب له سابقاً…..، هو لا يدري أن في ذلك العالم الجديد تصبح الأمور مختلفة جداً حتى أن ثقب صغير لم ينغلق بين القلب والرئتين سببٌ أكيد لكارثة ….. إذ يزرق لون الطفل من نقص الأكسجين ويموت مختنقاً … ومن كرم الهبات الربانية أن هذا الثقب الصغير ينغلق حين يعطس الجنين أول خروجه أو يصيح باكياً  بشكل طبيعي و معجز”

ربت المربي على كتف فتاه المُنصت مكملاً : “بُني إنه الوهاب سبحانه وهب كل شيء ما يُمَكنه من أداء مهمته التي يجب أن يؤديها في هذه الحياة ….”

 فجأة التفت إليه سائلاً :”هل تشك في أن هدايا أحبائك وهباتهم كان الغرض من ورائها مضرتك ؟؟؟”

جاء الجواب سريعاً وعفوياً  : أبداً ….!!!

فأكمل الأستاذ بحزم : “إذن ثق أن منحات الوهاب لك هي لأجل سعادتك فاجتهد لتعرف مقاصدها وكن سعيداً لهداياه أساساً لأنه أهداك إياها بغض النظر عن ماهيتها … أو ليس هذا هو قانون المتحابين ؟؟!!!”بدا الارتياح والتقبل على الفتى فأكمل المربي بنفس الهدوء والثقة :والحب للوهاب يستلزم منك التالي:

أولاً : لابد أن تعرف بما أنت موهوب إجمالاً (اكتشف لونك وصنف مجالك).

ثانياً: اعترف بذلك لنفسك وكن مستعداً لتبعات هذه المكانة ….. كن ذا عزم ولا تتوارى خلف تواضع كاذب تجنباً لسُنة الكفاح السامية الملازمة لمن تصدّر لمهامٍ جليلة… لا تخف من تسلط الأضواء عليك ومن شدة المنافسة… ثق أن العواقب ستكون سعيدة … فقط آمن .

ثالثاً: اعرف مقدار سعتك وعمقك في موهبتك… إذ أن هذا سيحدد وزنك الحقيقي واستطاعتك …. كن أنت النسخة الأولى من نفسك ولا تكن النسخة الثانية من غيرك .. فأنت مختلف، وهبتك أصلها الحكمة والعدل من معطيها… إياك والمقارنة أو التقليد.

 رابعاً: حاول ربط موهبتك بكل ما يدعمها من صفاتك الشخصية ومعلوماتك وعلاقاتك… فهي وسيلتك لتحقيق ما تريد أنت وليست هي كل الغاية…. ستجد حتماً تناسقاً عجيباً فالواهب ماهر ودقيق سبحانه.

 خامساً: تعامل مع الأمر كلغزٍ لذيذ تبحث عن حله وأنت متأكد أنك تمتلك الوقت الكافي للبحث ومهما طال الأمد ستصل، تعرف أنك ستصل …. فالمفاجأت في عالم المحبين ذات متعة لأنها مأمونة بالثقة.

والأهم دوماً أن تظل ثقتك بحب الواهب ينبوع ثقة وقوة لا منتهية في روحك…. ثقة تؤكد لك أن نهاية طريق مواهبك هي السعادة مهما كانت التضحيات…

إياك والحقد أو المعارك الجانبية؛ ف90 % من أصحاب الانحرافات الخطيرة و مجرمي التاريخ الكبار هم من فائقي الذكاء وأصحاب المواهب النادرة .. ليس بسبب مواهبهم بل بسبب حنقهم وغضبهم الأعمى من عدم فهمهم لأنفسهم وسوء تقدير الآخرين لهم …. والبديهي أنه كلما كانت الموهبة أندر كلما كان التعامل معها من قبل الآخرين أكثر عشوائية وبالتالي أكثر إيلاماً لصاحبها … التاريخ مليء بهكذا مآسي، لكن هذا التاريخ ذاته بُني وازدهر بهؤلاء الذين نبغت صفاتهم، فمن غيرهم يمكن أن يصنع نقلات هائلة للبشرية!!؟؟ … بذكائهم… برقة أحاسيسهم … بمعاناتهم …. بعزمهم أن لا ينهزموا …. سيحلون شفرة لغزهم الأكبر وسيغادرون هذه الدنيا وهم سعداء راضون عن نقلهم للبشرية إلى مكانٍ أعلى بجهدهم المبدع.”

طأطأ الفتى رأسه وتمتم باهتمام:” إذن زمام الأمر كله في يدي؟؟!!!”

•                “أجل والخطر الكبير دوماً يكمن في انتظار ما عند الآخرين فهذا سيدخلك في متاهات من خيبة الأمل والحقد و الإحساس المقيت بالقيد والحسرة … ناهيك عن ذلك الوقت الذي سيمر سريعاً ويتركك … فتجد غيرك قد صنع ما كنت تفكر به”

•                “لكن أستاذي لا يمكن أن نستغني عن الآخرين مهما كنا فالبشر مفطورين على التكامل مع بعضهم … أليس هذا ما علمتني إياه ؟؟”

ابتسم الأستاذ ابتسامة ذات مغزى كبير قائلاً:”أجل إننا نتكامل لكن هذا لا يبرر أن نركن على بعضنا في تحديد مصائر حياتنا…. بُنيّ إن من أعطاك تلك المواهب سيسخر لك كل ما يعينك على اكتشافها واستخدامها… سواءً أكان ذلك عن طريق البشر من خلال  كتاباتهم… كلامهم….أفعالهم… أخلاقهم… أو من خلال الحياة ومقاديرها بحلوها ومرها … ولعلك تتعلم من الطبيعة كما تعلم قابيل من الغراب … أرهف حواسك هذا هو المهم، وستأتيك الإشارات من هنا وهناك… ولهذا عليك أن لا تركن لجهة واحدة أو تحبس نفسك في إطار شخصية أو منهجية مقولبة …..”

وضع المربي كفه بحنان على قلب صغيره وهو يهمس بقوة : “كل قوتك تكمن هنا، وكل من وما حولك هم معينات، ومفتاحهم تسخير الوهاب …. فهذا هو من ضمن مواهبه وهداياه لك … ثق به واجتهد”

ترقرقت الدموع في عيني المربي- ذاك الرجل القويّ الحازم- وهو يهمس بقوة: “تأكد أنه يحبك فوهب لك ما وهب .. ثق به فلقد جربتها قبلك – بُنيّ – وكانت حياة ممتعة جداً “ كان المطر قد توقف والشمس قد بدأت بالغروب ونجحت في الظهور من خلف الغيوم الكثيفة ….. كان المنظر جميلاً وذو معنى قوي لفتانا الذي لمعت عيناه بالتحدي .. الآن جاء وقت انطلاقه…. فلم يعد لديه استعداد لانتظار عطايا أحد … يكفيه الأيمان بمن غمره بكنز هباته الغالية…..

d1b993cbe3ece8010462efeadfd9a7a7