“كيف الحال بني.. يا مهجتي؟؟؟
اليوم كنت أستمع لوردي من القرآن في الراديو حيث لم أستطع أن أقرأه من المصحف بسبب ما تعرف، واستوقفتني آيات جميلة جداً لطالما أحببتها لكنها اليوم بدت لي بمعنى جديد، حتى أنني تذكرت أننا قد فسرناها معاً، حيث قال ربنا تعالى: “قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ (26) تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۖ وَتُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَتُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّۖ وَتَرۡزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ (27)”
هذه الآيات أعادتني لتساؤلٍ كبير حاولتُ لفترة طويلة أن أجد له إجابة ولكن دون جدوى، إنه تساؤلي العميق حول اسم الله [المميت] فكثيراً ما سألتُ نفسي لماذا سمى الله نفسه بهذا الاسم الذي يبدو معناه مُخيف؟؟!! ثم أهو من أسماء الرحمة أم من أسماء الجلال؟؟
طبعاً عقلٌ بسيط ومتواضع كعقلي لم يتوصل وقد لا يتوصل للحقيقة بعلومه البسيطة لكني اليوم بالذات وصلتُ لرؤية جديدة ربما لأنني أصبحت أكثر فهماً في الأشهر الأخيرة الصعبة التي مررتُ خلالها بمرضي وكل ما صاحبه من كروب…. تلك الأشهر التي شعرتُ أنها رفعتني وحلقت بي فوق مستويات شاهقة من الفهم العلوي للحياة…
المنظر مختلفٌ جداً من ذلك الارتفاع فهناك في أبراج الرضا – على الرغم من الألم- تبدو الأشياء على حقيقتها وتسقط الأقنعة وتنجلي الغشاوة، في تلك الأبراج العالية رأيتُ معنى جديد للموت و لاسم الله [المميت]..
” يعتقد الكثيرون أن الإنسان يميل لمصالحة الموت حين يكون على وشك المغادرة وكأنها الحيلة الوحيدة ليُعزي نفسه بأن هذا هو ما يريده وأن حياته تحت سيطرته كما يحلو للناس أن يقنعوا أنفسهم دوماً …
الحقيقة أني مؤمن منذ زمن طويل أنني مُحب حقيقي للحياة بكل أبعادها وبكل محنها وآلامها وبكل تناقضاتها وتحدياتها.. ومع حبي المطلق للحياة أحببتُ الموت الذي هو جزء لا يتجزأ منها.. فأنا أحب الحياة حين تبدأ وحين تنتهي وبصراحة فلقد أحببتُ الموت بشكل مختلف و أعمق من حبي للحياة..
فالموت يمنح مزايا عظيمة لا تُقدمها بقية المراحل الموجودة في حياتنا..
*فالموت نهاية زمنية للخطة التنفيذية التي رسمناها لتحقيق أهداف أعمارنا.. أليس كذلك؟؟ وأي عاقل يفضل السير وفقاً لخطة تنفيذية ليس لها حد زمني نهائي للتنفيذ؟؟!! لا أعتقد أن هناك عاقل يُفضل ذلك..
*الموت جرس الراحة وإعلان وقت المكافأة لمن آمن أنه كذلك.. وعمل طوال حياته وفق هذا الإيمان، إنه جرس فكاك الأسر للكادحين.. جرسٌ جميل يخبرهم أن وقت الراحة جاء وأن لذة الإنجاز ستُنسيهم مرارة التعب وأن ما كانوا يكدحون له قد اقترب جزاؤه بإذن ربهم الكريم.. ومن ذا الذي لا يحب ساعة الراحة والمكافأة؟؟؟
أنها أحسن اللحظات للمجتهدين المثابرين الذين يحسنون الظن بربهم..
*الموت هو ذلك الحبيب الذي يأتي على فاقة و شوق يرحل بنا إلى من أحببناهم منذ زمن طويل و اشتقنا للقياهم.. أحببناهم في الكتب.. في السير والقصص.. في الذكريات.. يدخل الموت علينا دخول الأبطال ليكسر الأبواب الموصدة ويقرب المسافات البعيدة فيحرر أسرنا لنلقى الأحبة..
تصور كل من أحببت في لحظة- بإذن الله- تلحق بهم في دار أمان لطالما كدحت لها.. ألا يبدو ذلك مذهلاً؟؟!!
*كما أن الموت هو الفصل الأخير والوجه الأخر لقصة حياتنا المثيرة.. أرأيت أحدهم يتابع قصة شيقة ثم لا يحرص أشد الحرص على معرفة الخاتمة؟؟؟!! بالتأكيد لا يوجد.. بل يزيد حرصه على الخاتمة بلا شك عندما تلمس الأحداث مشاعره و تُتعبه صعوبة فهم الأحجيات في تصاعد التطورات فيها.. بنفس الطريقة نشتاق نحن للمرحلة الجديدة التي ينقلنا إليها الموت تلك المرحلة التي نرى فيها تباشير مجدنا الحقيقي ونجاحنا في حل أحجيات حياتنا.. تلك المرحلة التي تبشرنا وللمرة الأولى أن خياراتنا كانت صحيحة، فكما تعلم نحن لا نتأكد أبداً في حياتنا من شيء فكله مغيب لكن حين ننتقل إلى دار الحق نرى بوضوح نتيجة ما راهنا عليه بالغيب.. رهان أخذ منا الكثير…
حين نموت فإننا…
البقية… الجزء الأخير