لقد اقتضى ربنا بحكمته أن يكون هو الحق المطلق سبحانه الذي ليس دونه إلا الباطل بكل أشكاله وألوانه… واقتضى بقدرته أن تجتمع له كل مقاليد الحقيقة في الحياة بكل تفاصيلها ودقائقها ومفاتيح ألغازها…
ثم قضى بتدبيره أن تتقسم هذه الحقيقة بين خلقه أجمعين وكأنها قطع أحجية ذات ألف ألف قطعة تناثرت بمقادير موزونة بين الناس والخلق والكائنات والأشياء…
هذا يعني أن من أراد معرفة الصورة الكاملة للحقيقة- أي حقيقة- عليه أن يجتهد ليتعلم من كل أولئك الذين تقسمت بينهم وسيندهش حين يدرك أنه يمكن أن يتعلم من الخنافس والفراش أكثر مما قد يتعلمه من بعض معارفه وأصدقائه.
إن هذا القضاء يجعلنا نفهم لماذا تختلف أفهامنا للحقيقة الواحدة… ولماذا تختلف مستويات فهمنا للأمور كلما تقدمنا- نحن أنفسنا- في العمر وعاشرنا أناساً وأحداثاً وكائنات أكثر.
ولما يمنحنا جمع أجزاء الحقيقة من روعة وجمال… تجد كثيراً منا قد اعتكف على العلم والمعرفة بكل الوسائل الممكنة ليجمع أجزاء الصورة التي ينشدها، وكلما جمع جزء إلى جزء آخر شعر بلذة هي من أكثر متع الدنيا لديه… إنها متعة جعلت الكثير يعكف على العلم حتى كأنه مكتبة متحركة.
دعنا نكمل معاً نتائج ذلك التدبير الإلهي الحكيم…
بداية أتعلم أن كل هذا الكون بكل تاريخه المديد وكل أحداثه الصغيرة والكبيرة وكل دقائق ما فيه وكل من فيه وكل ما فعلوا وما سيفعلون… كل ذلك وأكثر اجتمع في علم مطلق عند ربنا… فهو العليم بكل شيء، لكن ربنا لم يكتف باسمه العليم بل قد أضاف اسم آخر يبدو لنا أنه يحمل نفس المعنى وهو اسم الخبير وهنا يأتي السؤال لماذا هكذا تكرار؟؟؟
والحقيقة أن بين الاسمين اختلافاً عميقاً أراد ربنا أن ندركه ونؤمن به، فأسماء الله الحسنى هي الموجهات الأساسية والمطلقة للامتياز البشري المنشود، ومن خلالها يوجهنا ربنا لأحاسن الأخلاق والأفعال، فحين يريد لنا ربنا أن نكون علماء تخلقاً باسمه العليم فإنه -تبارك وتعالى- يضيف معنى أعمق من مجرد العلم في اسمه الخبير لنتخلق به.
فالخبير تعني العليم لكن مع شيء آخر وهو العمق في الدراية والعلم… فمثلا قد تعرف أن فيضاناً قد ضرب الساحل في مكان وتاريخ كذا، وقد تعلم إحصائيات المفقودين والمنكوبين وقد تعلم إحداثيات السرعة والضربة الأولى للأمواج… هذا كله في دائرة العلم، لكن هل تعلم كيف حدثت الضربة بالتحديد وبمن بدأت؟؟ هل تعلم حقيقة أحاسيسهم عند الحادثة؟ بل هل أحطت بما فكروا فيه لحظة نكبتهم؟؟ هل أحطت بخلفيات المفقودين وهل كان أحدهم ما زال خاطئاً حتى أخذه الفيضان عدلاً وفاقاً، أو أكان ذاك الآخر مازال في الطاعة حتى اختفى؟؟؟
هل… هل…
إن هذه هي الخبرة… تفاصيل التفاصيل وعمق العلم والإحاطة…
إننا نؤمن أن ربنا سبحانه هو من يعلم كل حقائق الأمور وماهيتها وكنهها وخلفياتها وأسرارها… فربنا الخبير المحيط بكل ما ستكون عليه الأحداث والأشياء وكل احتمالاتها حين كانت وحين تكون وحين لم تكن كيف كانت لو حدثت ستكون… تلك الإحاطة الكاملة التي تخبرنا لماذا لا نجد أي عيوب في خلق الرحمن!!! لماذا لا نجد نقصاً في أقداره وموازينه… إنها إحاطة وخبرة تفيض علينا بالاطمئنان فكل تلك القوة التي تكلمنا عنها سابقا قد أضيفت إليها المعرفة المطلقة ونادرا ما يجتمع العلم مع القدرة فسبحانه -عز وجل-
في 40 آية مباركة أكد ربنا خبرته بكل شيء وكأنه يربت علينا مطمئناً لنا بفحوى رسالة تؤكد أن لا داعي للقلق فأموركم تصرف وفق ما هو أفضل لكم، فلا تجزعون ولا تحزنون فكله خير… المسألة أنكم لا تعلمون… فثقوا بمن هو اللطيف الخبير بكم.
وفي الحديث القدسي (إني أصرف أمور عبادي بما أراه أصلح لقلوبهم إني أنا اللطيف الخبير) ألست سعيداً ومطمئناً أن ربك الذي يصرف كل الأمور ومنها مقادير حياتك… ربك الذي تعتمد عليه وتستخيره وتشتكي إليه هو ذاته الأدرى والأعلم بكل شيء في الكون وبكل نقاط ضعفك وعاطفتك وبقدراتك وبهمومك وبآمالك، بل هو أعلم بك من نفسك…؟؟!!
تشعر بالاطمئنان أليس كذلك؟؟؟؟ فلله الحمد من يعلم ويقدر…
ثم ألا ترى أنه من واجبك أن تمنح من هم حولك ومن هم تحت يدك ومن يعتمدون عليك في العمل أو الكلية أو المؤسسة الطوعية أو في أسرتك… أليس من واجبك أن تمنحهم هكذا اطمئنان وهكذا ثقة بعلمك وخبرتك الواسعة؟؟… طبعاً لن تكون كامل الإحاطة فتلك مرتبة لا يصلها أحد، لكن الخبرة الممكنة نعمة ومنحة تعطى كالرزق لكل من يكد ويتعب لأجلها.
الخبراء كتف يستند عليها من حولهم… توضع في أيديهم أرواح وأموال وتصريف منافع الناس في شتى المجالات… هم كالجبال تثبت بهم معايش الخلق بأمر الله… وترسى على إنجازاتهم قواعد الحضارات والأمم، أفلا ترى أن من واجبك أن تكون كذلك أينما كنت…؟؟ نعم أنه من واجباتك بل لا بد من أن تكون كذلك فذلك من موجبات الحياة الكريمة تحت ظلال الأسماء الحسنى.
دعنا الآن نتحدث عن (كيف)؟؟ وهي الأهم في كل قفزة امتياز… فطريق الخبرة طويل… أوله أن تدرك أن هناك فرقاً بين خبرة الله المبنية على علم الاكتشاف المطلق وبين خبرة البشر التي تعتمد على الاكتساب المتدرج…
سر ذلك الاكتساب المتدرج يكمن في التجربة… منهجية خوض الأحداث لا مشاهدتها، تجربة الأفكار لا التنظير لها فقط، ومعايشة المواقف لا مجرد سردها وروايتها.
التجربة تعني أن تعيش… تواجه… تلمس… تتذوق… مفردات الحياة وأحداثها… التجربة هي عالم آخر غير عالم الكتب والدورات والخطب والمعلومات المجردة، أنه عالم بديع ومثير يقودك إلى امتياز الخبرة.
حين تصبح مثقفاً وعالي المعرفة فهذا يمنحك نصف الحقيقة أما جوهرها فهو هناك في قلب المغامرة… في قلب التجربة لن تبلغه إلا بخوض الغمار المتلاطم…
……
نكمل في الجزء الثاني
تابعنا
تنزل مقالات أسماء الله الحسنى كل خميس الساعة 5 م…