حين تصبح مثقفاً وعالي المعرفة فهذا يمنحك نصف الحقيقة، أما جوهرها فهو هناك في قلب المغامرة… في قلب التجربة لن تبلغه إلا بخوض الغمار المتلاطم…
فلو سألت أحد أولئك المملوءين ثقافة وعلماً عن الحب مثلاً لأمتعك بقصائد الحب بكل أنواعه، ولأذهلك بوصفه لأشهر أمثلة الحب الخالدة وأسماء أصحابها وسيرهم، ولعله استطال في شرح نظريات العلم حول حقيقة الحب في العمليات الدماغية… ومع كل ذلك فهو عاجز عن الشعور بنبضة الحب الحقيقية تلك النبضة الدافئة لشعور طاهر في قلب إنسان يحمد الله كل يوم أنه خلق له ذلك الشخص الذي يحبه… يحمده أن جعل لروحه توأماً به يحيا… يسانده في الحياة… وكأنما خلق ليكون أنيساً له في وحشه دربه… إن صاحبنا المثقف بعيد عن تلك الحرارة السامية… حرارة تمنح القلب إيثاراً لا محدود وحتى الممات…
وقد يكون أحدهم كالموسوعة من كثرة العلم حتى إذا قادك الحديث معه عن الحرب أدهشك بسرد أهم المعارك الحربية وأشهرها… وجعلك في حال كأنك تسمع ذلك الوطيس الذي حمى بوصف مذهل بليغ… ومع ذلك هل تراه يستطيع أن يحس برجفة الخوف في نفس الجندي الذي تطايرت الأشلاء أمامه… تلك الرجفة التي اختلطت فيها رغبة الهرب العارمة بثبات المبادئ الراسخة؟ هل يستطيع أن يدرك معنى لحظة الثبات الفاصلة بين عزة الإيمان وعار الفرار؟؟
بل هل يستطيع صاحبنا المرفه ولو للحظة أن يشعر بمرارة الألم في نفس مناضل يفقد رفيق دربه بين يديه وهو يناشده أن يفعل شيئاً لينقذه ولا يستطيع… لا يستطيع إلا أن يبكي بتبصر منكسر.
ليست تلك دعوى لنخرج إلى ميادين لسنا بحاجة إليها، لكن المقصود بأن حقيقة الأمور أبعد ما أن نظنها مجرد كلمات فصيحة ومعلومات وفيرة وخطب رنانة.
الحياة لها أبعاد أعمق من التنظير فعندما يتكلم أحدهم عن الوفاء ولو ملأ الدنيا خطباً ودورات وكتباً فهل يستطيع مع ذلك أن يدرك حقيقة مقاساة قشعريرة بردٍ قارس في غرفةٍ موحشة داخل مستشفى قد ساده الصمت المخيف ليلاً… برد الوحدة والألم والحزن… برد قاسٍ كل يوم يعانيه ذلك الزوج المحزون بجوار زوجته التي أحبها بكل صدق ووفاء… فلقد أحبها حباً جعله لا يبالي بتلك المنحة المغرية التي تخلى عنها لأجل رعايتها… لا يبالي بكل تلك الليالي التي طالت وهو يقعد إلى جوارها ممسكاً بيدها عله يخفف عنها وطأة المرض… أو لعله يشاركها شيئاً من ألامها… يظل جالساً غير مستكثر يدعو لها… وتظل دموعه تترقرق في مقلتيه حزناً ويكبحها الصبر والاحتساب والأمل… إنه الوفاء الحقيقي الذي جعله مواظباً على نحو أقنع كل الممرضات والأطباء بأن كلمة (انتهى وقت الزيارة) لا تنطبق أبداً عليه…
الأمر مختلف يا سادة فأصحاب التجربة سمحوا لأرواحهم بأن تتلمس الأمور وتدركها وتتذوقها وتثبت أمام امتحاناتها… إنهم بذلك تجاوزوا حدود حواسهم وعقولهم إلى ما وراءها من حقائق وضعها الله في طيات الكائنات والأحداث والأشياء.
فتجدهم بعد ذلك أصبحوا من أصحاب الشخصيات الآسرة… عيونهم ناطقة وقلوبهم حكيمة وكلماتهم قليلة لكنها مؤثرة… أما أفعالهم فمميزة جداً وأهم ما فيهم أن نظرتهم عميقة تميز الخطأ عن بعد بفراسة رائعة فهم يستدلون على الأمور بآثارها حتى وإن غابت عن حواسهم ولذلك فالخبير مراقب بصير تصعب علينا مغالطته؛
وهذا يقودنا لنقطة جوهرية في إيماننا فإن كنت ستحذر كثيراً من رقابة إنسانٍ خبير فكمْ يجب أن تحذر من الخبير ذاته سبحانه وتعالى؟؟!!… إياك والخطأ فأنت مكشوف أمامه، مكشوف بنواياك وخلفياتك وكل مثاقيل الذر في حياتك وعقلك.
من هنا…
الخبرة مرتبة عالية في مراتب القوة الاستخلافية علينا بلوغها لنكسب كل ما ذكرنا من دراية وثقة وفراسة وشخصية آسرة والأجر أيضاً فالتخلق بأخلاق الله عبادة مقدسة…
إذن لا تكتفي بالتقارير المرفوعة وقصاصات الملازم وحديث جارك وزميلك… تحرك وخض الأمور وجربها بنفسك… فقد يكون موظفك البغيض في التقارير هو مجرد مسكين محزون ومتواضع في قدراته… فقط جرب معاشرته بحياد وحب…
جرب مشروعك الذي أشبعته مراجعة ومشاورات على الأوراق لسنين… جرب تلك الخطبة التي تحريت واشتقت لها لإكمال نصف دينك.
جرب وخض غمار المغامرات الراشدة لتتعلم فلا خسارة في التجربة مهما كانت نهايتها فهي في ذاتها ربح ومعرفة وقوة إدراك ودراية تضاف إليك… ألا ترى أن كل الصناعات العملاقة التي نراها هي في الأصل نتاج تجارب ومنتجات أولية ظهرت عيوبها وجرى تحسينها بعد كل تجربة متعثرة… أليست حياتك الأولى بالتطوير والتحسين من تلك الصناعات المادية…؟؟؟
لا سبيل لذلك التطوير المنشود من غير التجربة… وهنا لا بد من أن نستدرك فقط من أجل البعض المندفع فنؤكد لهم أن ليس كل شيء يجب أن نجربه فهناك ما نعلم سلفاً بشكل أكيد إنه هاوية مدمرة، فإياكم ومصيدة (خليك جدع وجرب) فما اختبره غيري وبدا ضرره الأكيد والمدمر واضحاً يجب أن أبتعد عنه تماماً…
ولماذا أدفع حياتي ثمنا لتلك المخاطرة الغبية؟؟ والذكي حق من اعتبر بغيره…
وغير ذلك الاستدراك… فإننا نفتح أبواباً واسعة لنخرج من قوقعة التدريب والتعلم والتخطيط في فسحة مثيرة من تجارب واعية متبصرة نعود منها بالملاحظات المميزة لتطوير حياتنا… وحتى نضمن الاستفادة القصوى من تلك الملاحظات علينا أن نجمع تجاربنا في سلسلة متصلة موثقة لدينا بتأمل وتبصر وليكن ذلك في دفتر مذكرات مصغر… فإن هذا يمنحنا خبرة متراكمة قوية ومنتجة… وحبذا من ربط حلقات السلسلة بخبرات غيرنا النوعية، خبرات أولئك الذين يجيدون طرح العبرة من تجاربهم وهم أهل للثقة…
ومع إبحارنا مع اسم الخبير سبحانه نفهم معنى الإخبات في عيون العلماء الكبار فلقد أدركوا يقيناً أنه مهما بلغت علومنا كبشر علينا أن نحذر من الخوض بما لا ندرك حقيقته… علينا أن نتكلم دائماً بثوب من التواضع… فلابد أن للحياة كلمة أخرى قد ندركها في تجربة حارة تغير كل ما تبجحنا به بغرور وثقة متباهية
وهذا ينطبق على عملنا المؤسسي والمهني والطوعي فمهما كانت عقولنا موسوعاتية ومهما كانت رفعة شهادتنا علينا أن نحني الرؤوس احتراماً وتواضعاً لمن يملك تجربة ولو كانت متعثرة في أي مجال … أهل التجارب يجب أن يكونوا ذلك الكبير الذي نوقره ونصغي له (وبالطبع ليس الذي نقدس)..ففي أحيانٍ كثيرة و في زحمة العمل والتنافس يصطدم ذلك المثقف المندفع بصاحب التجربة الواقعية المتواضع في علومه وربما في طريقة إقناعه أيضاً ..والصحيح هو التكامل ..هذا التكامل يعتبر ميزة حساسة تؤثر في نجاح المؤسسات والشركات العملاقة وبوجوده يصبح لدينا التراكم الخبراتي للمنظومة المؤسسية حيث تتكامل الخبرات السابقة مهما كانت مع العلوم الحديثة و الإبداع الجديد لتحدد مدى الاحتراف المهني للشركة أو المنشأة.
أخيراً.. من منا لا يتمنى أن يكون خبيراً وذو فراسة عالية ؟؟؟؟!!!
كلنا بالتأكيد نرجو أن نكون كذلك … إذن هاك المفتاح الأكبر: ( فمن أراد أن تصيبه أنوار الخبير وضياء الفراسة في كل ما حوله فليكن خبيراً في نفسه أولاً وسيٌفتح له ) إذن نفسك أولاً فهي أقرب إليك من الدنيا وما فيها، كن خبيراً بها وبخفاياها ولتكن هي أكبر بحث في حياتك … عليك ألا تمل من التجارب العنيدة معها حتى تصل إلى أسرارها ، فمع كل تجربة ستلمس باباً جديداً تفتحه فيها وتكتشف كنزاً ثميناً …
حين تصابر في التجربة تلو التجربة ستنال مكافأة رائعة.. ستصبح -عن قريب – خبيراً … والخبراء وحدهم من يستطيعون تمييز الشعرة الفاصلة بين تداخلات الأمور وتشابكها بين هذا الطرف وذاك..هم وحدهم من يجيدون ضبط مؤشر الميزان بين الكفتين المهتزتين !! … لابد أنك ستكون فرحاً جداً حين تستطيع تمييز ذلك الفارق الدقيق بين إلهامات الرحمن ودسائس الشيطان داخلك … حين تملك معيار الاتزان بين وسوسة النفس الأمارة بالسوء وبين الاحتياجات البريئة الفطرية لنفسك…
أليس هذا رائعاً؟؟… إذن أسرج جوادك وخض غمار التجربة المتبصرة…