قيل سابقاً إن من أقسى الأشياء على الإنسان ثلاثة أمور: أن يحاول النوم ولا يستطيع ، وأن ينتظر شخصاً ثم لا يأتي، وأن يحب من أعماق قلبه شخصاً لا يحبه…
هنا تتوه كلمات البلاغة والفصاحة… فهناك في عالم الأرواح… -هناك في صمت الأعماق- لا مكان للكلمات ولا مكان للبلاغة… فالأرواح عوالم بعيدة لها همسها المختلف الذي لا يُسمع إلا في أكناف سكونٍ دفين… حيث يسود الصمت المنصت والتعاطف الصادق.
أنصت لها هنيهه… تجدها تهمس لك قائلة :” ما أقسى أن تحب من لا يحبك وأن يظل قلبك متعلقاً بما لا تدركه، وأن تتوق نفسك بكل ما فيها إلى ما لا ولن تبلغه “.. هذا هو همس الأرواح الحزينة المعذبة و يا له من عذاب تعيشه يوماً بعد يوم…
إن هذه الأرواح تعيش حولنا وبيننا حياة بائسة تجر أيامها فيها جراً… لا يمكن لكل ما في الدنيا أن يسعدها أو يفك أسرها من عذابها… ولا يستطيع كل من حولها أن يطببوا ألامها فما تريده هناك بعيدٌ عنها… يظل خياله البعيد يسلب من أنفاسها دفء الحياة ولون الفرح… يسلبها معنى أن تعيش بالأمل و الرضا… فذاك الذي تريده لا يأتي إليها -مهما اجتهدت- فتسعد به، ولا النسيان يأخذها بعيداً فتتركه إلى غيره… وليس مع النفس قوة فتدير ظهرها مستغنية عنه مهما كان…
قد يكون إحساس الظلم من أكثر الأمور مرارة في حياتنا لكن الأشد إيلاماً منه أن تجد نفسك متعلقاً و محتاجاً لمن لا يُبدي لك اهتماماً بل لمن قد لا يَرعى لك بالاً فضلاً على أن يُعطيك ما تريده… الحياة والتاريخ يخبروننا أن الفقير المسكين ليس من لا يجد مالاً أو جاهاً، لكن الفقر الحقيقي هو أن نظل نريد ذاك الذي لن نصل إليه و لا نستطيع نسيانه… وتظل حسراتنا عليه تذبح سعادات أوقاتنا بسكين ( لو) اللاهبه واحتياجنا اللاذع ، تلك (لو) التي تظل تنخر في القلب نخراً جاعلةً كل سعادة و كل فرح في حياتنا مشروطاً بالحصول على ذاك المفقود…
تصوروا أن كل هذا الألم عندما يكون ما نحتاجه لدى الأخر الذي قد لا يملك إعطائنا وقد لا يستطيع… فكيف تكون الآلام حين يكون – ذاك الأخر – لا يريد أن يعطينا ما نتوق إليه – ظلماً وعدواناً- مع علمه باحتياجنا؟؟؟ لابد أن أوجاعنا ستشتعل بقيد ذلك الاحتياج الذي أورثنا إحساساً بالذلة الأسيرة لعناده وقسوته… و ما أكثرهم أولئك الظالمون الذين يعيشون على إذلال الناس واستغلال احتياجاتهم!!!
ويحنا إلى متى سنعطيهم رقابنا ونظل أسرى رغباتنا لما عندهم ؟؟!!
إلى متى نُمَكنهم من سكين ذبحنا و زمام تبعيتنا لهم؟؟؟
إلى متى؟؟؟؟
وليكن لديهم ما يكن… أليس من حقنا أن نعيش بلا ألم ؟؟!!.. أن نعيش بقلوبٍ حرة وخيارات مفتوحة ؟؟؟!!
سُئل أحد الكتاب الكبار عن سر احتفاظه برباط جأشه وقوته على الرغم من أنه سُجن ظلماً لأكثر من 25 سنة فقط للون بشرته في دولة تَدعي أنها بلد الحرية، فابتسم قائلاً : “لأنني حرمتهم مما يعتقدون أنهم يضطهدونني به ، فهم يعتقدون أنهم حين يحرمونني من الخروج من زنزانتي فإنني أشقى وأذل وحتى لا أعطيهم ما يريدوا فلقد اخترت أن لا أريد أي شيء خارج زنزانتي مما في أيديهم – ولو بخيالي – إنني أرضى واستمتع بما فيها وإن لم يكن إلا بضع كتب قديمة، إنني لا انشغل بالحسرة على باب زنزانتي المغلق بل اجتهد لاستغلال كل فرصة تلوح لي في الأفق بكرم الله لنيل حريتي “
إن الحقيقة الأكيدة هي أن لاشيء يمكنه إشباع ما في نفوسنا من توق ورغبات وأشواق وأذواق… فكل رغباتنا ليس لها نهاية وأشواقنا ليس لها حد، ونظل نريد ونريد… فمنها من تكون لنا ومنها ما لا نناله مهما اجتهدنا.
ويكمن السمو في أن نحرر قلوبنا من حسرة تلك التي ليست لنا… وهذا لا يعني دعوة واهنة لزهدٍ كاذبٍ أو التفاتٍ عاجزٍ عن كل الدنيا، بل هي دعوة من أهل العزائم لنصبح من أصحاب الحرية الحقيقية للنفس والروح أمام تلك الأشياء الغالية المفقودة.
صدح بها يزيد الرقاشي حين سُئل عن ابتسامته التي لا تفارق وجهه وخياراته المفتوحة الحرة دوماً فقال : “لقد سعدتُ حين اخترت أن لا أختار إلا ما اختاره الله لي، وأن أريد ما أراده الله لي مع اجتهاد وسعي لا أقصر فيهما”
هل ذقت يوماً هكذا استغناء… هكذا اختيار وقناعة للعزيز المتوكل على ربه؟؟!! هل ذقت معنى أن تكون مستغنٍ عن كل شيء وكل أحد؟؟!! أن تسوس الناس والدنيا بيديك في هدوء وتَمكُن… فلا يُزعج هدوء قلبك شيءٌ مهما كان من أمواج القدر الهادرة .
الاستغناء وراحة البال هما جوهر السعادة الحقيقية تلك السعادة التي لا تأتي إلا باتباع القيم والمبادئ السامية والمترجمة إلى أفعال جادة… إنها ارتياح قلب توازنت فيه كفة الغاية السامية مع كفة الإنجاز المندفع الطموح…
أما الاطمئنان و السلام المستمر في النفس فهما حالة أرقى وأسمى لا تتحقق إلا بديمومة تلك السعادة لفترة طويلة، وهكذا ديمومة لا يمكن أن تحدث ونفوسنا مرتبطة بشرط من حياة متقلبة… حياة يمكن وصفها بأي شيء إلا الثبات.
إذا كانت روحك ستظل في مد وجزر مع أمواج التغيرات في الحياة فأيُّ راحةٍ وأيُّ اطمئنان قد تذوقه؟؟؟
لا يمكن لتلك السعادة أن تدوم ولا يمكنها أن تصبح نعيم اطمئنانٍ يملأ قلبك إلا بالاستغناء عن كل شيء حولك والاكتفاء بقيم روحك العليا ذخراً ومأوى… وهذا يعني أن يظل كل شيء عدا تلك القيم خارج قلبك تحركه وتستعمله بيديك في حنكة وخبرة وسيطرة محكمة…
إياك أن تربط مفاتيح الارتياح في روحك بشيء أو شخص من الحياة لا تملك مقاليده حتى لا تفقد تلك الديمومة السعيدة لراحة البال… أخرجهم من قلبك و انفعالات آمالك… استغن عنهم…
يوماً ما قد يغمرك شوق مشتعل لطفل تضع فيه حنو حياتك وكل أحلامك، لكنك مع كل اجتهادك لا تُعطاه، و قد تستأسد لنيل مرتبة معينة أو شهادة عالية ثم تعاندك الأناسي الماكرة والظروف الغادرة ولا تنال ما قاتلت له ؟؟؟ وربما أنها كانت لك وبعد أن اعتليت صهوتها وصار لك شَهدها نُزعت منك بقرار إداري … أوليس ذلك هو حال التغيرات الوزارية والاستثمارية؟؟؟ وقد تألم من أقارب وأرحام كلما وهبتهم برك و إحسانك قابلوك بالنكران والأذى الغير مفهوم لك؟؟؟
لابد أن تواجه يوماً أن تحب شخصاً ما… و يؤرق الحنين قلبك له… فهكذا نحن البشر عاطفيون… ويأتي المأزق الحزين حين لا يحبك هو… أو حين لا تستطيع أن تنال حبه فهو ليس قريب فتَهنا وتسعد معه أو لربما طوته يد المنون فرحل إلى عالمٍ لا اتصال فيه و لا بريد، و الأدهى أن يكون من أحببت بعيد المنال لا تناله إلا بما يُلحق بك الخزي في الدنيا والآخرة…
و هكذا تتقلب حياتنا وتتبدل… فهذا ديدنها الأبدي الحرمان والنقص في كل شيء ليبقى الكمال لخالقنا سبحانه وليبقى الهناء الكامل هناك في أرض الخلود… لابد أن نمر على تلك السنة بطريقةٍ أو بأخرى… إذن لماذا نعذب قلوبنا المسكينة بما لا تطيقه… لماذا لا نستوعب أن لا مناص لنا من تسليم كل شيء لمن بيده مقاليد كل شيء؟؟!!
لندع الأمور لله ولنستغني بقلوبنا الحية بالسمو فوق كل شيء، دعونا نقرر إنها إن جاءت دنيانا بما نريد سعدنا و إن ذهبت به بعيداً استغنينا ورضينا مهما كان… هكذا سنصير هادئين، متزني الكيان، دائمي الاطمئنان… هنا سنحب من يحبنا فإن لم يحبنا لملمنا أرواحنا في استعلاء واعي والتزمنا بحبنا الطاهر العفيف وكفى… ثم ندع البقية للأيام لتنثر بقاياه على قمم النسيان الممكنة البعيدة.
هنا تخيل أن تصفح أنت عمن لا يعدل ولن يعدل معك مهما بذلت… تخيل أن يظل قلبك هادئاً لا ينشد انتقاماً أو حتى اعتذاراً، و مهما طال عمر هكذا ظالمين وجاحدين تظل مرتاح البال فقد كفاك نقاء صدرك، ولقد أرضاك أنك لا زلتَ تعيش كما تريد قوياً وطموحاً في حياتك، وأن أولئك لهم محاكمة عادلة آجلة أو عاجلة ولن تفلتهم تلك العدالة أبداً…
تخيل أن تُحسن لمن لا يُقَدِر إحسانك وتدعو لمن لا يسمع مناشدتك لربك تدعوه من أجله في جوف ليل ساكن… تظل كذلك لا يزعجك جهله ولا يعذبك جحود رده… نعم… فقد كفاك إحساسك أنك ذاك الكريم الذي لا تغير طيب معدنه المحن… كريمٌ استغنى عن الشكر أو الامتنان بلذة البذل والعطاء…
تخيل أن تختار من الدنيا ما جاء إليك وأن لا تُهلك نفسك وراء ما لا تملكه، تخيل أن تستمتع بكل ما لديك وأن تظل سعيداً بما مُنحت فتشتعل حماستك لتفتح ذراعيك للدنيا بقوة وثقة وشجاعة عجيبة فأنت لم تعد خائفاً أبداً أن تحرمك شيئاً لن تحزن على فقدانه… شجاعة تودع معها كل هواجس المتشائمين.
تخيل قوتك عندها واندفاعك حيث لن تؤخرك التفافات الحسرة لذاك المفقود… فكما قالت هيلين كلير معلقةً على موقفها بعد فقدانها لثلاث حواس منذ صغرها :”ليس من الصعب أن أكون سعيدة فلقد انشغلت بالفرح بذلك الباب الذي فتحه الله لي في عقلي ولم انتبه لما أغلقه عني بحكمته”
كلماتها صحيحة فنحن نفقد لذة ما في أيدينا بالتحسر على ما ليس لدينا، وهكذا حتى تنتهي أعمارنا ونحن لم نرشف لحظة فرحة صافية لأننا بشر… والبشر لا يمكن لحياتهم ان تكون كاملة و لو للحظة واحدة.
تخيل أن لا يؤرقك من تفوق عليك فأنت – مهما كانت مكانته – لا تقيس نفسك به أو بما وصل إليه، ولا عجب فأنت ذو نظرة متجردة متزنة لا ترى المنافسة في أن يكون غيرك أعلى منك أو أقل منك بل تراها في أن تنافس نفسك وأن تبلغ منها أقصى ما تستطيع… ومع أنك تحتاج إليهم في دائرة التكامل الأزلية بين الخلق… فإنك لا تحتاج للآخرين ولا لأعمالهم لتُقيم نفسك بالقياس المتحسر.
تخيل أن تستغني عن تصفيق الآخرين و مديحهم فتظل تكافأ نفسك بنفسك منتظراً المكافأة الكبرى الكريمة في الدار الأخرى… فيصبح كل استحسان الآخرين وتقديرهم هو خيرٌ زائد إن جاءك زادك سعادة و إن ذهب لم يأخذ من نعيم فؤادك قشة .
يا لها من حياة…حياة الغنى الحقيقي والرفاهية التي لا تنقطع بزوال نعمة ولا بخوف من زوالها ولا من حرمان مقدر علينا.
إن الغنى يكمن برضاك لما آتاك الله واستغناؤك عما حرمك، هذا هو المعنى الحقيقي الذي أراده الله لنا حين أخبرنا أنه هو الغني… إنه الغني عنا الذي لا يضره ولا ينفعه سبحانه شيء… لقد استغنى بذاته عن كل خلقه… فلا عبادتهم تزيده عظمة ولا تمجيدهم له تزيده عزة… لا صدقاتهم ولا زكاتهم تزيد في خزائنه شيئاً فلقد استغنى بذاته عنهم تماماً، فهو الغني الذي لا يريد من خلقه إلا ما ينفعهم هم و بما يُصلح لهم حياتهم.
وبما أنه سبحانه الغني مطلق الغنى بذاته وكماله وقوته… بما أنه القهار فوق عبيده بما ملك في يديه من مقاليد حاجتهم وكل رغباتهم… لكل ذلك كان هو الوحيد المستحق للمعنى الحقيقي للغنى والاستغناء والكل فقراء إليه… فقراء بخوفهم من الحرمان مما عنده من عطاءٍ لا ينفذ… فقراء باحتياجهم إلى خزائن الأمان والحنان والرزق والكرامة والعزة وكل معاني السمو والسكينة التي لا يمتلكها البشر مهما كانوا…
والعجيب أننا كلما ازددنا له احتياجاً وافتقاراً زدنا عزةً و اكتفاءً… حالٌ فريد لا يتحقق إلا في تعاملنا معه تبارك وتعالى… فمن ذا يمكنه أن يجمع بين الغنى المطلق والحب الحنون المُغدق إلا ربنا جل جلاله، فتجده يعطيك ثم يمسح على قلبك فلا تشعر بذلة الاحتياج ، ويهبك القوة وسط ضعفك أمامه فلا تشعر بالدونية المخزية معه أبداً… وكيف تشعر بذلك وهو ربك المحب الذي يشفق عليك من كل ما يحزنك حتى من شعورات الذلة الملازمة لفقرك إليه.
أين المتخلقون بأسماء ربهم فيمنحون الناس عطاءً كريماً في خفة ولطف لا يشعر معها أولئك الآخذون بذلة الافتقار و الاحتياج… أين هم؟؟؟؟
وعند ذا الاعتقاد ترسو أنفسنا على شواطئ السكينة فنحن ندرك الآن أن رغباتنا وأشواقنا ليس لها إلا الاكتفاء به قسمة ونصيباً والرضا به سنداً ومغنماً سبحانه… ليس لنا إلا أن نحسب رصيدنا لما في خزائنه وليس لما في أيدينا أو في أيدي الآخرين… ويا لها من حياة إن آمنت بربح تلك الصفقة… صفقةٍ فزتَ فيها بحبه الواثق في قلبك فتسمو روحك ومشاعرك بذاك الحب الفريد…
عندها ستحيا طموحاً حراً واثقاً… مستغنياً عن العالمين في استعلاء حكيم ذو سكينة خالدة…