لمسة حياة

أيمكن لكلماتنا الصغيرة أن تحلق بنا بعيداً عن قيود التزاماتنا ومسؤولياتنا اليومية التي صارت أثقل على أرواحنا من الجبال العظيمة ؟؟!!

أيمكنها أن ترحل بنا إلى عوالمٍ أخرى نستقي منها أخلاقاً وأذواقاً لطالما نفتقدها في كل لحظة من كفاحنا في معيشتنا العسيرة؟؟!!

هل لكلماتنا تلك القدرة العجيبة على انتشالنا من كل ما نحن فيه من تنافس هو أشبه بتنافس أطفال صغار يتقاتلون على ما ليس يدوم وقد لا يُفيد  … إلا من رحم الله منا فألهمه حكمةً بالغة وروحاً طموحة ؟؟!!

هل للكلمات القدرة على أن تُجيب على كل تلك الأسئلة العسيرة التي تعصف بكل طاقاتنا العقلية وتستنزف عواطفنا ونقاء أرواحنا؟؟!!

أم هل تستطيع أن تحملنا على أجنحة الأمل تعرج بنا من سماء إلى سماء حتى توصلنا الى الأجواء القدسية … هناك حيث نُلقي بأحمال أكتافنا من هموم وأماني تائهة … هناك حيث لا يُهين كبريائنا أن نتهاوى ونسقط على ركبُنا … متعبَين ومتذللين ؟؟!! هناك حيث لا شامتين ولا حاسدين نخافهم … ولا جلادين من أصحاب التنظير المتطرف المثالي نتحاشهم … هناك حيث نبدو على حقيقتنا … بلا أقنعة … فنبكي بدموع الأقوياء على سفوح الطموح … دموعاً للمزيد من العزم وليس للانسحاب ؟؟!!!

هل لكلماتنا أن تفعل كل ذلك أم أنها مجرد حبر متوسط الثمن سُكب على أوراق مصقولة وبيع في الأسواق ليزيد على الحياة مجرد مطبوعة صُنِعَت من كذا شجرة خسرتها غابات منكوبة بتجارتنا … كل ذلك فقط لنكرر صدى لثغ تنظيرنا لبعضنا البعض … هكذا بلا فائدة حقيقية؟؟

بل كيف لكلماتنا أن تحمل النور في ثناياها لتؤثر في قلوب و أرواح ماتت منذ زمن …؟؟نعم أن أصحابها لا يزالون يمشون بيننا بأجساد وافرة الصحة … يمرون بيننا بضجة وصخب تنافسي أحياناً وكثيراً ما يمرون بصمت عاجز مطبق…

نعم إنهم كذلك، لكن كم بقي من حياة إنسانيتهم وسط كل ذلك الظلم والتدافع الذي يتمرغون فيه، الحقيقة أن الموت لا يعني موت الجسد بل هو موت الروح والدليل أن هناك من يعيش معنا ممن ماتوا بأجسادهم … يعيشون بخيرهم و أيدي عطائهم البيضاء … يعيشون في ثنايا الذاكرة … ولسان حالنا معهم:

لسوف يبقى طيف روحك بيننا                  متلألأً وله عيوني ناظـــرة

صورٌ و ألوان من الذكــرى                  و ما يبقيك حياً في خلايا الذاكرة

لك بسمة فياضة مثل النــدى                 عذب الملافظ كالسحاب الماطرة

تَروي القُلوب بشاشةً و حلاوةً                  تهدي السعادة للنفوس الحائرة

وسجيةٌ مُزجت بشهدٍ  طيــبٍِ                 جاوزت سنك بالطباع الآسـرة

ماذا أقول ودمعتي حرَّاقـــةٌ                 و جراحُ قلبي من فِراقك غائرة

أقول: سأراك أخرى ذا أملـي                  والله يجمعنا بدار الآخـــرة

وبالمقابل هناك أحياء لا نتذكر وجودهم بيننا إلا بغبار سوء أعمالهم ….

 كيف لكلماتنا المسكينة أن تخترق أستار قبور روتين حياة هؤلاء ليتردد صداها كنداء محبة للعودة إلى زخم الحياة النابضة من جديد ؟؟

أتُرى لكلماتنا القوة فتهدي الضائع حلماً ندياً يُشعل حماسة الحياة في قلبه الذي مات و أصبح يستثقل حتى الأنفاس؟؟!!

أتراها تذكي عواطف الحب  السامي … حب الصحبة والتضحية والعطاء … حب بلا شروط بين (اثنين) لا يرجون من وراء حبهما إلا الإيناس في وحشة الدرب إلى الله … إلى النجاح … بل إلى الأفضل في الدنيا والآخرة؟؟ ..

هل تستطيع أن تشعل قنديل ذلك الحب بعد أن أصبح العمر بينهما شراكة خاسرة عليهما تجرع واجباتها والتزاماتها كجرع العلقم تظاهراً أمام الناس … فقط .. حتى يُقال أنهما لا يزالا معاً ؟؟؟

أتراها تخترق أستار الظلام المطبق ليائس سئم ضياعه … سئم وحدته … سئم خيبات أمله … سئم أن لا إيمان له ولا قوة … سئم كل شيء حتى قرر أن يدفع قدميه ليسقط إلى قاعٍ هاوية سحيقة تُودي بحياته … هاوية مفجعة مهما كان اسمها أو مظهرها فقد تكون سيارة مجنونة، مخدرات أو مسكنات خادعة، أو لعلها علاقة محرمة أو مخاطرة لا أخلاقية … من ذا يهتم  لاسم الهاوية مادامت النتيجة واحدة ومأساوية؟

قرر أن يُنهي سئمه انتقاماً من نفسه أولاً ومن الآخرين المقصرين في حقه ثانياً وما عرف أنه الخاسر الوحيد…

هل لكلماتنا أن تشرق أمامه … أن تحتضنه بحب … تخبره أن هناك ما ومن يستحق أن يتجلد لأجله ..؟؟!!

أسئلة لا تكاد تفارق عقولنا كلما أمسكنا القلم لنكتب … لا عجب … لا عجب … فمن نحن لنكتب لأرواحٍ وحده الله يعلم همها وأسرارها وتعقيد مسالك دروب أمانيها؟!

من نحن لنتحدث أو نكتب عن أسماء ربنا ؟!!…

ربُنا الذي لا تطاله العيون فتبصره، ولا تدركه الأفهام فتحيط به، ولا تَبلغه حتى القلوب فتشكره حق الشكر على عطائه وكيف تشكره وهي أجهل ما تكون بما حباها من نعم وهبات … فالشكر لا يكون إلا لمن عرف حقيقة الأعطية وشأن المعطي … أما الجُهّال فلا يمكنهم إلا المحاولة المتعثرة مثلنا …

يا له من خجل وعجز  يغمرنا حين نزعم أننا قد نستطيع أن نكتب كلمات قد تصف شعاعاً من سبحات أنوار ربنا … إننا ندرك يقيناً أننا عاجزون ومتعثرون على الرغم من اجتهادنا … وكيف لنا ذلك ونحن…….؟؟!!

 العجيب أن كلماتنا – على الرغم من ضآلة شأنها – يمكنها فعل كل ما ترددت حوله أسئلتنا، بل يمكن لأقل من كلمة أن تفعل أكثر من ذلك … السر يكمن في  لمسة إحياءٍ ربانيةٍ نادرةٍ وفريدة تسكنها؛ فتُحيي بها ما شاء الله لها وبلا حدود…

لمسة دافئة يمتن بها ربنا على كلماتنا الخجولة التي راحت تغدو تحت ظلال الأنوار القدسية لأسمائه الحسنى … فوحده الله يمنح هذه اللمسة المعِجزة للأشياء فتصير بإذنه إكسير حياة لا يقف لها ستار ولا حاجز ولا جدار …

لمسة مباركة ما أن تصيب (جهودنا الضئيلة) حتى تهتز وتربو كما تفعل الأرض الجذلة تحت قطرات المطر المبارك.

أو ليس القرآن في أصله كلمات … لكنها كلمات فريدة ومعجزة … إنها كلام الله … كلمات وضع الله فيها تلك اللمسة الإحيائية فأحيا بها قلوباً ماتت ، و أحيا بها أمماً فقادت، و أحيا بها عقولاً فجالت وصالت في أفلاك السماء وعجائب الأرضين…

فكما جعل المُحيي- سبحانه – ميزة الإرواء في الماء كلمسة إحياء للأرض العطشى ولكل شيء يدب فيها وعليها … فإنه حين يشاء يجعل لمسة إحياء فريدة في كلمة … نظرة … سلام … لوحة … بسمة … عملٍ متواضع …مشروعٍ رائد … أو حتى في لمسة كفٍ دافئة …

يضعها أينما يشاء … لا تسل كيف … المهم أن تنال أنت بركة المُحيي وبعدها لا يهم ما وسيلتك …

اكتشف العلماء الأمريكيون شيئاً عجيباً جداً حين بدأوا بدراسة أسباب ارتفاع معدل وفاة الأيتام الرضع في سن مبكرة من حياتهم على الرغم من توفر كل الإمكانيات المادية المبالغ فيها أحياناً … لم يجدوا أي سببٍ ماديٍ لحالات الوفاة هذه وكل ما حصلوا عليه هو ملاحظة انتفاخ بسيط خلف الدماغ في مكان الغدة النخامية لدى الأطفال المتوفين جميعاً.

كان الأمر محيراً جداً فبدأوا بالمقارنة المتأنية مع وفيات نفس المرحلة العمرية في بلد فقير جداً مثل البرازيل …

وكانت دهشتهم بالغة حين اكتشفوا أن معدل الوفيات أقل من المعدل في أمريكا مع أن فارق العناية الطبية والمادية كبير جداً … هنا تأكدوا أن السبب ليس في الخدمات الصحية والمادية المقدمة للأطفال، بل السر يكمن في شيء أخر … إنه ذلك السر الذي يجعل الغدة النخامية لدى المعوزين الفقراء تزدهر وجعلها عند الأمريكيين تموت خلف ذلك الانتفاخ الملاحظ.

بحثوا في كل النواحي وبكل الاتجاهات إلى أن وصلوا لنتيجة مذهلة حيث لاحظوا أن المربيات في دور إيواء  الأيتام في أمريكا هُنَّ من الشابات صغيرات السن اللواتي يقمن بتربية الأطفال بلا خبرة أمومة سابقة وبلا استعداد نفسي للحنو عليهم، فهُن يقمنَّ بهذا العمل كخدمة اجتماعية مفروضة من الحكومة قبل دخول تخصصات معينة في الجامعة وبالتالي فهُنَّ يوفرنّ الكثير من العناية المادية لهم دون لمس الأطفال غالباً أو احتضانهم.

أما المربيات في البرازيل فهن من الأمهات الفقيرات كبيرات السن اللواتي يؤدين هذا العمل بخبرة أمومة وبحنان فطري… ومع أنهن يعملن بدافع الفقر لكن أمومتهن تجعلهن بالعادة يقدمن المزيد من الأحضان واللمسات للأطفال حتى يعوضنَّهم عن نقص الاحتياجات المادية …

تلك اللمسات هي الفارق الوحيد بين هؤلاء و أولئك وهي الفارق الكبير بين الحياة والممات بإذن الله…

بمزيد من البحث أعلن الأطباء أن الطفل يحتاج ما لا يقل عن 24 حضنه يومياً منها ما لا يقل عن 7حضنات حتى يعيش … 7 فقط ليعيش ويحيا ..

إنه سر الإحياء الذي وضعه الله في أكف أمهاتنا وإن أراد أن يَمتَن على أحدنا وضعها في كلماته وإن كانت بسيطة … وضعها في أفعاله وإن كانت صغيرة وساذجة لكنها مثابرة … إن شاء وضعها في عينيه … في كفه حين تربت على كتف متهالكة من التعب … وقد يضعها في دعوة خرجت بصدق بالغيب … و إن شاء وضعها في برنامج أو مشروع أو….. بيت أسري سعيد كأحسن ما تكون القدوة … من يدري أنه المحيي خلق الحياة وخلق لها أسبابها التي يوزعها كيفما يشاء وهو على كل شيء قدير…

ربنا يا من يُحيي الأرض الميتة … يا من يُخرج الميت من الحيّ و يخرج الحيّ من الميت … يا مُحيي العظام وهي  رميم … تُزهر الأشجار بلقاح من أقدام حشرة … و تُزهر الأرض من بكاء سحابة… و تخلق إنساناً من قطرة… فاجعلنا من أسباب إحياء خلقك اليائسين … وأحينا حياة ترضاها لنا وترضى بها علينا…

222png