حين يرحل عنا أحبتنا ومن نهتم لأمرهم – وما أكثر الراحلين – حين يرحلون ندرك في غمرة مرارة الفراق كم كنا مقصرين في حقوقهم وجاحدين لوجودهم الجميل بيننا…
نُدرك كم هي كثيرة تلك الأشياء الجميلة التي غمرونا بها… نتبين كم من الأفضال الكريمة جادوا بها علينا دون أن ننبس – نحن- ببنت شفة من شكر أو تقدير حقيقي…
لماذا على عمالقة حياتنا أن يعانوا من جحودنا وإهمال تقديرنا؟؟!! لماذا ندعهم قابعين في زوايا مهملة بعيداً عن مراقي التكريم والتثمين العادل حتى إذا رحلوا أرسلنا الحسرات على أثرهم قصائد و مراثي نتبارى في نظمها…؟؟!!
لماذا لا نطلق العنان لحواسنا المرهفة فتُبصر بامتنان كم من الجميل تحمله أكتافنا بفضل أولئك الكرام ممن حولنا؟؟!!! ….. إلى متى نظل على نفس الخطأ … فندع أحلى ما في دنيانا من الأفاضل يذبلون كما تذبل الأزهار اليافعة ويهرمون كما تهرم الأشجار العتية في صمت مُهمَل … ندعهم هناك تحت ظلال العادي والموجود والمتناول في اليد … ثم حين يرحلون نجلد ذواتنا بالندم والحسرة والذكريات العاجزة الملتهبة حتى يطمرهم النسيان مع مرور الزمن ويطمر معهم أحلى أيام حياتنا …
ألا تستحق منا الألماسات النادرة عرضاً وأضواءً تزيد من إظهار جمالها و ندرتها؟؟.. ألا تستحق اللآلئ الرائعة صياغة متأنية بخيط عقد فريد يصنع لها مكانة مرموقة حول النحور المميزة ؟؟؟ إننا نجهد أنفسنا في عرض سلعنا للبيع فنسلط عليها الأضواء المناسبة من زوايا إبداعية ونلمعها و نحيطها بديكور يلفت النظر إليها.. وبذلك نصنع لها جاذبية متألقة إضافةً لجمالها الأصلي … كل هذا من أجل الربح المادي … أما دُرر أهلنا و قادتنا وأساتذتنا و أصدقاءنا ومن لهم الفضل علينا في أي جهة من حياتنا فإننا ندفنهم تحت أطنان من التجاهل حتى أجل غير مسمى …
لماذا هذا الجحود ؟؟؟ لماذا نتعامل مع الجميل المبذول لنا ببرود قاسي أو بامتنان عاجز … ما الفائدة وما المتعة في ذلك ؟؟؟ دعونا نتذكر معاً كم من شخص قدم لنا خير في حياتنا … كم من يد طيبة ودافئة أخذت بأيدينا من سقطات كادت تودي بنا وبمستقبلنا … كم من عينٍ راقبت خطواتنا المتعثرة بحرص وشفقة حتى إذا أخطأنا نصحتنا وأرشدتنا … كم من حضن كريم أحاطنا بصدق فأبعد عنا برد حيرتنا وغُربة محننا … كم من مال مُنح بكرم … وكم من كلمة تشجيع فتحت لأرواحنا آفاق أحلامٍ ندية واعدة..!!
من المستحيل أن تخلو حياتنا من هكذا خير وكرم … كفانا ادعاءاً أننا عصاميون ورائعون لوحدنا فقط … هذا هراء … فربنا رحيم كريم و هداياه متواصلة الهطول علينا كغيثٍ نديٍ لا يتوقف ، غيثٍ يمنح حياتنا بركة مُعجزة … هذه الهدايا تصلنا عن طريق بعضنا البعض لترسم حقيقة عجيبة جوهرها أن كل واحد منا هو ساعي بريد لهدايا الرحمان لغيره من البشر والكائنات…
أفلا يستحق الكريم حمداً لا ينقطع وألا يستحق ساعي البريد شكراً عميقاً؟؟!!
إن فن التقدير والشكر من أروع فنون الحياة … بل لعله من أعظم أسرارها فلا أحد … لا أحد مستغني عن منحات التقدير والشكر.
إن هكذا احتياج لهو من لوازم إنسانيتا وبشريتنا بل من شروط سعادتنا واطمئناننا … وإهماله يؤدي لعواقب وخيمة …
إياك أن تنتظر أن يقدم موظفك الأفضل استقالته أو تبدأ مؤشرات إنتاجيته بالانحدار لتدرك أنك قصرتَ كثيراً في شكره وتقدير إسهاماته الكبيرة للعمل … إياك أن تُهمل ابنك حتى ينفجر غاضباً بأعمال صبيانية لا معقولة فقط ليلفت انتباهك المتشاغل بأنه كان رائعاً لكن إهمالك المستمر لتعزيز روعته جعلته يغير طريقة أدائه في حياته لعله يحظى بشئ من الاهتمام والمراعاة الدافئة…
إياك أن تنتظر أن يموت والديك لتبكي على قبريهما برثاء الاعتذار و الشكر … إياك أن تخسر أتباعك بمثاليتك العوجاء و أنت تكيل لهم الملحوظات حول عيوب أعمالهم أطناناً أطناناً بلا مثقال ذرة من مدح لجوانب إجادتهم فيها…
إياك أن تغفل حتى تسوء حياتك الزوجية لتُصعق بحقيقة أنك تخسر كثيراً لأنك منذ سنين لم تمدح جهود شريك حياتك وتضحياته البالغة من أجلك ، لأنك لم تخبره كم هو مهم وغالي في حياتك…
لا تكن كذاك الزوج الذي ماتت زوجته باكراً في ريعان الشباب بمرض عاجل … ومع إن إيمانه بالقدر أقنعه بأن الموت سُنة الحياة لكن الحزن اعتصره عصراً فما من شئ يبرر له تقصيره الفظيع في تقديرها ومدحها … وحين طفح حزنه راح يكتب لها رسائل ملتاعة نادمة لعل الأسطر تخفف لهيب صدره النادم … راح يخبرها كم هو نادم على كل أيام بل شهور إهماله لجهودها وتضحياتها … وكم هو متحسر لرحيلها العاجل قبل أن يتنبه أنه لم يخبرها بحقيقة مكانتها في حياته وأنها أبداً لم تكن في أخر(القائمة) كما كانت تُوحي انشغالاته وأيام صمته الطويل … راح يعترف لها كم هو أسف أنه لم يشكرها على كل ثوب جميل لبسته له … وكل تسريحة شعر تزينت بها من أجله … كم هو أسف أنه لم يمدح كل أكلة طيبة أشبعت جوعه، وكل ليلة موحشة سهرتها تنتظر عودته من العمل…
بمرارة راح يهتف من بين أسطره :”سامحيني لأنني لم أشكرك لكل مرة غطيتني بها من برد الليل ومحن المعيشة … سامحيني أنني كنت متبلد وجاحد فلم أمدح كل ذلك الجمال والمتعة التي أضفتها لحياتي … ليتك تعودين مرة فتسامحينني ، لقد كنت أعتقد- من غبائي وربما أنانيتي- كنت أعتقد أنني الأكثر تعباً وأنني أنا من اكدح لك ولم أدرك أنه لولا عنايتك بي و وقوفك إلى جانبي ما كنت وصلتُ لما وصلتُ إليه … نعم لربما أنني منحتك شيء لكنك منحتني أشياء هي بنظري الآن أغلى وأهم …. يكفي روعة استقبال بسمتك الشاكرة كلما عدت من العمل داعيةً لي بالصحة والقوة … يكفي أنك لطالما ما شجعتني … يكفي إيمانك الصلب بقدراتي حتى في أسوأ سقطاتي … إيمانٌُ جعلني أشعر أنني أقوى وأعظم رجل في العالم … يكفي أنك ما بخلتي عليََّ يوماً بنظرة أو همسة حرص تنبهينني فيها على صحتي أو أحد واجباتي المهملة لأهل أو ولد أو علاقات اجتماعية أو تدابير مالية … وما الذي يحتاجه المرء أكثر من ذلك ليكون سعيداً؟؟!!
لقد منحتني لب حياتي أما أنا فلم أمنحك إلا القليل المادي العادي … ليتني أطمئن أنك سامحتني..ليتني “
على الرغم من طول رسائله إلا أنها لم تُغير حقيقة ما جرى … فقد رحلت بلا عودة…
إن خطأنا الأساسي يكمن في أننا نقلل من شأن عطاءات الآخرين لنا فنظل نقزمها بأعذار قاصرة الفهم فتارة نقول لأنفسنا أن ما قدموه هو من صميم واجباتهم وليس لهم فضل في أداء واجبهم سواء في الوظيفة أو العائلة ونتناسى أن هؤلاء مُخَيرون في أداء ذلك الواجب فلماذا لا نعززهم حين يختارون عمل الخيار الصائب؟!؟
تارة أخرى نتمتم في أعماقنا أن ما قدموه كان قليل ويُفترض وينبغي أن يكون كذا وكذا وننسى أن المثالية طريقة عيش مستحيلة وأنها عديمة الجدوى تماماً … وننسى أو نتناسى أن بداية الغيث قطرة و أن التعزيز و الشكر للقليل يفتح الأبواب للكثير.
ومن أسوأ بواعث الجحود أن نُسيء الظن ببعضنا فتتربى قلوبنا على وساوس بغيضة بأن هناك المزيد لدى الآخرين مما يمنعونه عنا بُخلاً و استهتاراً و أن ما قدموه لنا ما هو إلا الفتات الفتات … و نتعامى بجهلنا عن بشاعة سوء الظن و أنه منقصة كبيرة أكبر بكثير من البخل … ثم لابد أن ندرك أن قدرات الناس الحقيقية لا تكشفها المظاهر والقرائن الواهية في تفكيرنا و إنما هي أسرارٌ عميقة لا يعلمها إلا الله … أما نحن فلا شأن لنا بها فنحن لسنا أهلاً لإصدار الأحكام…
وأسوأ من كل ما سبق أن تُبالغ نفوسنا في تكبرها و ضيق فهمها فتتخيل أنها عظيمة جداً وجليلة إلى درجة لامحدودة ولهذا فهي تستحق أفضل مما قُدم لها بكثير … و هكذا يظل الآخرون دائماً مقصرون و مقصرون في متوالية تبجيل وديون ليس لها نهاية من غرور خفي بغيض وصدق القائل : “ليس الفاضل من رأى لنفسه فضلاً على من سواه “…
علينا أن نتقبل ما يُقدمه الناس لنا بحب وتقدير وامتنان بل ومبالغة في التعزيز أحياناً كثيرة فنحن في أشد الحاجة لنشر الفضيلة والتكافل بيننا ، نحن في أمس الحاجة أن نشجع الحسن ليغلب حُسنه تلك المساوئ التي تستشري في يومياتنا.
ربُنا – وما أروعه ربنا!! – هو الكريم.. هو الأعظم المستحق إطلاقاً لكل حمدٍِ وعبودية مطلقة … فهو السابق بالخيرات و النعم تفضلاً وكرماً ومع كل ذلك فإنه يتقبل فتات أعمالنا – مع كل نقصها – يتقبلها بتقدير وتعزيز عالٍ جداً…
خذ مثلاً … في الحديث الشريف يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: “بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ، وجد غصنَ شوكٍ على الطريق فأخَّره، فشكَرَ الله له، فغفر له“…تأمل جمال (فشكر له ) … تأمل كرم (فغفر له )…
لماذا كل هذا؟؟؟ إنه التقدير الحكيم من الشكور على تلك الخيارات الصحيحة التي ينجزها عباده بغض النظر عن صغر حجمها أو تقصيرها ونقصها…
إنها منهجية العدالة المُحِبة في تقدير إنجازات الآخرين حتى ولو كانت من أساس واجباتهم فتراه سبحانه شكور محب يقرر في كتابه الكريم أنه سيجزي من جاهدوا لنيل رضاه بأحسن ما عملوا متغاضياً عن النقص والزلل الغير متعمد اللازم للبشر … هل أحسست بروعة (ليجزيهم أحسن ما عملوا ) ؟؟
جولة واحدة من السياحة الراشدة في قصص القرآن ستُبهرك حتماً بذلك التقدير والتعزيز الغير منتهي من ربنا لكل من تبع هديه – و إن جاز التعبير ( ولله المثل الأعلى)- فإنه كقائدٍ أعلى لكل الخيرين والمصلحين في التاريخ يُكثر من مديحه وتلميعه لأنبيائه وخيرة عباده فينال نبيٌٌ منهم سورةً كاملة من المديح و الإطراء والتسجيل المفصل لإنجازاته وكفاحه في تقديرٍ فريد … اقرءوا سورة يوسف لتدركوا كيف يُشجع القائد أتباعه وكيف يُثّمن كل خطواتهم الراشدة ويعززها ويدفعها…
تخيلوا لو اتبعنا هذه المنهجية بهذه الدقة والتفصيلية مع أتباعنا ومن حولنا ومع أنفسنا … تخيلوا كم من أبواب القلوب ستنفتح على الخير والعطاء والإبداع؛ فالتقدير العادل من أعظم إكسيرات الحياة التي تُعتبر من منابع الدوافع الإنسانية لعمل الأفضل…
كم خسرنا و نخسر بالبرود والجحود … فلماذا لا نملأ حياتنا بالشكر المتزن لبعضنا البعض قبل أن تذبل أشجار الخير فينا تحت مطحنة المادية والتنافسية القاسية الطاغية … اغمر قلبك بالامتنان وأرسل لسانك بالشكر لكل من حولك بلا استثناء … صرح به لأبنك الذي أطاع أمرك و أخبره مراراً أنك ممتن لوجوده البهيج في حياتك ذخراً وزينة عُمر ، بالغ في تذكير أمك وأبيك بكرم ما قدموه لك ولا تمل من التصريح بذلك في كل فرصة ، امدح شريك عمرك أمام ربك في صلواتك وأمام نفسك في خلواتك وأمام الناس في أفضل مناسباتك ،امسك بكف صديقك وضع عينيك في عينيه واخبره انك شاكرٌ لله انه منحكَ صديقاً مثله يقف معك في مواقف صعبة مثل تلك التي ساندك فيها كموقف كذا وكذا ،أما قادتك وأساتذتك فلا تبخل باطراءهم وتقدير أعمالهم أمام الآخرين في أكثر المحافل أهمية لهم ..أرسل لكاتبك المفضل و لمرشدك البعيد برسائل التقدير والمساندة لعله بحاجة أن يثبت في طريق كثُرت عليه أحزانه ولا شئ أحسن لثتبيت قلبه من تيقنه أن عطائه قد أثمر روعة عندك وعند أمثالك ممن بذل لهم من أغلى ما عنده …
اشكر الجميع بقلب كريم رباني التخلق … حتى ذلك العامل البسيط الذي ينظف أمام بيتك أشكره لجهوده … أشكر ذلك البائع الذي أسرع بتلبية طلباتك … و ذلك الموظف الذي اهتم بإنجاز حاجتك … والنادل الذي مسح لك الطاولة … و المراسل في مكتبك لإيصاله الأوراق لك … لا تحقر عمل أحد وكن شكوراً مشجعاً للجيد من حولك…
تلمس كل ما حولك بيدي طفل بريء تفرحه البسمة وتبهجه الهمسة ويطير فرحاً بقطعة صغيرة من حلوى … طفلِ ودود يعبر عن شكره بلا تكلف فيضحك حاضناً لك ليغمرك بسعادة لامحدودة … كن مُحباً مثله…
لا يخدعنك استدلال بعضهم ب(أحثوا التراب في وجوه المداحين) فنحن نمدح على الطريقة النبوية تلك الطريقة الباهرة التي ملأت الكتب والسير بالمدح العميق المتزن لأصحابه … ذلك المدح الذي لا مبالغة فيه … مدح نذكر فيه العمل الذي أحسنوا فيه موضحين أثره الطيب علينا وعلى الحياة ومؤكدين أنه من فضل الله عليهم أن وفقهم لذلك الحسن … مدحٌ فيه تشجيع على الاستمرار في اعتقادٍ راسخ أن لا خير في قطرة مطر لا تلحقها أخواتها…
و اتباعاً للمدح النبوي لا ننسى أن نُتبع الكلمات بالمواقف والعطاء الذي عبر عنه المصطفى بقوله (فكافئوه ) لتكون تلك المكافأة من أشياء يحبونها و أكبر مما قدموه لنا …
و هاهنا تسقط أقنعة أولئك الذين برعوا في استغلال الناس من خلال كلمات المدح والشكر الجوفاء والتي لا تثبتها المواقف والمكافآت وما أكثرهم خاصة في مجالات العمل المختلفة… ويح أولئك عليهم أن يتذكروا أن الشكور سبحانه شكر لعبده (فغفر له) … وما أثمنها من جائزة !!
ما الفائدة من كل قصائد المدح ما لم تبذلوا لهم حقهم من التقدير مادياً وفعلياً ؟؟!! فهلّا توقفتم على هكذا (ضحك على الذقون).
الجانبين مهمين ولا ينفصلان الجانب الأول الامتنان والشكر اللفظي النابع من قلب صادق … والجانب الثاني المكافأة المادية والفعلية بالموقف المساند والهدية المميزة المعبرة.
(شكراً) كلمة لها مشتقاتها الغالية التي لا يتقلدها إلا الكرام فأين هم؟؟ أين المتخلقون بأخلاق ربهم فهو الشكور سبحانه يجازي على القليل بالكثير الكثير…
تخلقك بها يجعلك شكوراً ندي النفس ، تُعامل الناس بما تتوق أن يعاملوك به من تقدير … الأمر سهل وممتع .. وسيغمرك بالسعادة … ولا تنسى أن من موجبات زيادة النعم الشكر عليها …
تذكر بعد شكرك للجميع.. ذلك الحبيب سبحانه الذي يستحيل علينا شكره… اجتهد وجاهد لتسلك الطريق الذي يبلغك شكره بحياء عميق على كل خيراته و روعة عطائه اللامحدود لك (أوليس كل أولئك هم سُعاة بريد لهداياه وعطاياه لك؟؟!! ) فها أنت أكرمت الساعي فكيف بصاحب ومُرسل الهدية نفسه … جلّ وعلا ..
البقية عليك لوحدك فهنا تتوه كلماتنا العاجزة لتشرق الأرواح بصمت مؤنس نتأمل في سكونه أسرار مننه ولطائفه في حياتنا … تلك الأسرار التي لا يعرفها (من البشر) أحد إلا نحن … ونحن فقط…