راحت مقلتاه ترقُبان بتمعن قطرة ندى تتدحرج ببطء نحو أسفل زجاج النافذة.. تلك النافذة التي طال وقوفه أمامها.. شعر أن روحه، ومشاعره تتدحرج مع تلك القطرة إلى قاعٍ سحيق من الألم العاجز الذي لا يقبله ولن يقبله..
وصلت القطرة إلى نهاية طريقها ثم سقطت، ومعها سقطت أجزاءٌ من نفسه المتألمة فانفلتت من بين شفتيه زفرة قوية، وعميقة.
حاول أن ينُفس بها عن رغبته الشديدة في البكاء. أغمض عينيه بقوة وهو يحاول بلع تلك الغصة التي خنقته وراح يحوقل بخفوت أخِذاً أنفاساً عميقة عله يشتت ذلك الضيق الذي جثم على صدره..
قطع صولات مقاومته لعبراته صوت بابٍ يُفتح من الخلف فالتفت بسرعة فلقد انتظر ذلك منذ ثلاث ساعات قارسة البرودة شديدة الوحشة..
و ما أن التفت حتى تعرفت عليه الممرضة التي خرجت من غرفة العناية المركزة، وبدا واضحاً عليها أنها عجزت عن إخفاء تلك الدهشة التي اعترتها بقوة.. فنظرت بذهول لذلك الشاب المُخبت الذي وقف بأدب في الممر الخالي تماماً واقتربت منه و هي تهتف بدهشة: “سيدي أما زلتَ واقفاً هنا منذ ذلك الوقت؟؟؟!! لقد أخبرتُك أن لا أمل من تلبية طلبك فالقوانين تقضي أن لا يدخل الزوار لغرفة العناية..!!”
ابتسم الشاب بأدب، و انكسرت عيناه الحزينتان وهو يرد برزانة عجيبة: “أنا أسف لم أستطع المغادرة فأنا لم أراها منذ 24 ساعة وهذه مدة لا أطيقها ألبتة..”
تهدج صوته فسكت ليتمالك نفسه ثم سحب شفتيه بابتسامة حزينة فيها من العناد، والتجلد أكثر مما فيها من الانكسار وأكمل: “أرجو أن تحاولي مرة أخرى فلن أرحل من هنا حتى أُلقي عليها نظرة واحدة..”
ثم أستدرك بحماسة مفاجئة: “أعدك أنني لن أطيل.. كما أنني سأقبل أي شروط.. أرجوك”
كانت نبرة صوته تتفاعل بقوة مع حركة رأسها اليائسة و هي تتمتم :”غير ممكن.. غير ممكن” ثم ختم بنبرة عميقة: “أرجوك حاولي مرة أخرى.. ففي كل الأحوال لن أغادر..”
هزت أكتافها كمن أُسقط في يده ومطت شفتيها باستعجاب و هي تقول: “لا أدري يا سيد لماذا تبدو مُقنِعاً أكثر من الطبيعي!!؟؟ ومع أني أعرف الجواب مُسبقاً لكني سأحاول للمرة الثالثة، والأخيرة.. “أومأ برأسه بحركة ممتنة و هو يشكرها..
وبينما دخلت هي لغرفة العناية لتأخذ إذن مديرة القسم، ظل هو يرتجف من البرد و الخوف.. يدعو الله أن يمنحه القوة ليكون كما يحب ويرضى، مضت دقائق كأنها دهر حتى خرجت الممرضة ومن خلفها امرأة في منتصف العمر تبدو عليها علامات الحزم والشدة والاستياء.. ذلك التعبير الأخير جعل قلبه يرتجف فهو لا يقصد الإزعاج لكنه لا يستطيع المغادرة دون أن يراها.. وكيف يستطيع ذلك وهي من هي له…!!
أسرع إليهما و جرى بينه و بين المشرفة حوار هادئ فيه الكثير من الحدة من جهتها، و الكثير الكثير من الاتزان، و الأدب من جهته.. ومع حزمَها الشديد إلا أن شيئاً ما في عينيه جعلها تسكت لبرهة، وتفكر في كسر قوانين لم تفكر مطلقاً في كسرها قبل هذه اللحظة.. كانت الحيرة تملؤها لماذا يغمرها هذا التعاطف مع هذا الشاب بالذات؟؟!!!
تنهدت تنهيدة استسلام سريعة، ونظرت مباشرة في عينيه وهي تقول بحزم: “خمس دقائق فقط مع شروط التعقيم ولا نقاش بعدها..”
تهلل وجهه و أحمر من شدة انفعاله وراح يشكرها ويعدها بأنه سيلتزم بكل ما تريده، شاركته الممرضة فرحته على نحو عجيب وراحت ترشده بسرعة لإجراءات التعقيم، وما هي إلا دقائق قليلة حتى كان يقف أمام تلك الواجهة الزجاجية الكبيرة التي تفصله عن تلك الغرفة المعقمة حيث ترقد الغالية التي تتربع على أكبر مساحات قلبه وروحه..
راحت ضربات قلبه تتسارع بشكل فوضوي ولم تنفع كل محاولاته لتهدئته.. وهو يستبق خطواته بنظراته ليراها وما أن وصل إلى حيث ترقد حتى وضع كفيه على ذلك الزجاج وقد تسمرت عيناه عليها وهي ترقد هناك بين الأنابيب والأجهزة..
بدا وجهها ساحراً و جميلاً أكثر من ذي قبل بكثير.. تمنى أن يتحسس وجنيتها أو أن يمسح جبينها الوضاء كما اعتاد أن يصنع كلما راح يرقيها بالقرآن، ويدعو لها.. تمنى لو تفتح عينيها فتخبره ماذا يفعل أكثر من أجلها.. تمنى لو حتى يُقبّل قاع أقدامها كما أعتاد أن يفعل في تلك الليالي الباردة التي كانت تشتعل فيها قدميها من الحمى فيقبلهما بحب، و يظل يحاول تبريدهما بالكمادات طوال الليل القارس..
تمنى و تمنى و تمنى لكن يا للأسف يبدو أن كل أمنياته لن تتحقق.. تمتم بالدعاء الذي أصبح زاده بعد أن عزفت نفسه عن الطعام و النوم….
و فجأة….
البقية.. الجزء 2