لماذا تعبنا في رمضان؟؟!!!

لا يفترض بالأوقات المقدسة في أي ديانة أن تكون موسماً للخسائر و المتاعب لمن يؤمنون بها، هذا بالتأكيد أمرٌ لا يختلف عليه اثنان في العالم…

و الأوقات المقدسة في ديننا جُعلت لتكون مناسبة احتفائية بالقيم الجميلة و العميقة للمؤمنين و لتكون محطة للتزود و اكتساب الطاقة لبقية الأوقات…

إنها فاصلة حنين للسماء بين جمل من الكدح الأرضي في يوميات البشر… فاصلة يتوقف فيها التدهور للنفس و تعلن التوبة بعد مراجعة صادقة لكل ما فات… تلك التوبة التي يزيد من تألقها المشاعر المقدسة و العبادات و القناعات العميقة للأيام و الليالي المباركة التي جُعلت فرصة لإعادة صياغة الروح لبدايات جديدة صالحة في المستقبل..

هذا ما يفترض أن يكون عليه رمضان، ثورة على سوء ما مضى.. وهو ثروة للتزود و الامتلاء بالقوة للمستقبل

يفترض أنه موسم التحدي لقصورنا و ضعفنا لنتخطاها الى أمنياتنا العليا…

للأسف لم يعد رمضان هكذا… نحن كشعوب مسلمة نسجل أعلى نسب للاستهلاك المقرف للبرامج الترفيهية الرخيصة في رمضان من مسلسلات و برامج راقصة أو تلك الأقرب للمقامرة منها للمسابقة… أما عن الإنتاج العملي فهو الأشد انحطاطاً في شهر يفترض أنه وقت الازدهار الفكري و العملي لقوم تركوا غرائزهم طواعية، لكن النوم هو من يزدهر حقاً أما عن المشاكل و الشجارات و الحوادث فهي أرقام مخزية في أيام صفاء و تبتل و تسامح مع الذات و الآخرين..

المصيبة الكبرى تأتي حين نكتشف أن الشعوب الفقيرة أصلاً تصبح أكثر فقراً في رمضان و ما يتبعه من العيد، إذ تُصرف مبالغ هائلة أضعاف دخل الفرد فيها مما ينذر بتدهور لميزانية الفرد فيها لبقية الأشهر.. و أخيراً نتفاجأ أن الأزمات النفسية و نوبات الضيق و القلق تشتد على الكثير طوال الشهر خاصة الأواخر و هذا مناقض لكونه شهر الاتصال الروحي بالنفس و الانسجام و الاسترخاء في محراب العبادات…

ماذا حدث ؟؟؟!!!!

الذي حدث هو العديد من الطقوس و الممارسات الخاطئة التي حولت رمضان إلى النقيض مما يفترض أن يكون…

*ليس من العيب أن يعتني المرء بطعامه لكن الخطأ أن يبذر في اقتناء الطعام و كأن صيامه سيحوله إلى وحش يمتلك معدة زيادة إلى معدته الطبيعية و يلتهم الكثير و الكثير ….مما يؤدي إلى مشاكل لا حصر لها في الهضم و الإخراج بعد ذلك و بينهما الامتصاص التي تعتبر أساس القوة للجسم …

المشكلة الأكبر أن التركيز ليس على النوعية الجيدة من الطعام مثل الفواكه و الخضروات و الحبوب المغذية مما يجعل المشاكل الصحية متفاقمة ومتزايدة… و للأسف تكثر حالات الوفاة التي تعكس تدهور الصحة و ضعف الرعاية و يظن البعض أنها رحمات رمضان و يا لها من رحمات !!!!

*من جمال الشخصية العربية الكرم … و أن يكرم الناس ضيوفهم لهو الخير و الله … وما أجمل موائد الرحمن على الطريقة الشعبية لكل عابر سبيل جائع .. لا يمنع منها فقير ولا مجذوم و لا معتوه ولا مجنون و لا غيرهم من المدفوعين بالأبواب ….

ما أجمل ذلك !!!! لكن ذلك لم يعد كثيراً بيننا، بل استبدله الناس بالعزايم التي تكسر ظهور النساء و جيب العائلة و لا خير منها، إذ كلها مفاخرة و تباهي و اعزمه لأنه عزمني و علشان أوريها إني كمان أعرف اطبخ و اسوي … و تزداد الصدامات عند تأخر الأطباق و توالي الضيوف و تتفرق العائلة يوماً بعد يوم لقعود ناس مع الضيوف وناس في المطبخ و ناس في الوسط رايحين راجعين ولماذا كل ذلك ؟؟؟!!!! لا أدري!

*الانتاجية العملية من المفترض أن تزيد لكن ماذا تتوقع من أشخاص لم يكتفوا من النوم و عاشوا ليلة صاخبة من التلفاز و الأسواق و الضجيج و حتى لو ناموا فسيناموا في ساعات النهار الغير طبيعية للساعة البيولوجية للجسم مما يعمل على خلل كبير في نظام الأيض والطرح داخل الجسم و أكثر و أخطر من يتضرر الغدد الصماء التي تتحكم بكل وظائفنا الحيوية …. و يا ضيق الحال لمن لا يجد وقتاً لينام لا في الليل و لا في النهار كأمهات الأطفال الذين يصحون باكراً.

فلماذا قلبنا الليل نهاراً و النهار ليلاً في رمضان؟؟ سؤال لا جواب له وسط تردي أدى بالكثير من الدول الإسلامية ذات الميول العلماني لإلغاء الصيام بعذر المحافظة على العائد القومي و من ذا يجرؤ على لومهم؟؟

*إنه لمن العجيب أن تفكر أن نظاماً صارماً يبدأ في وقتٍ محدد و ينتهي في وقتٍ محدد يتحول إلى فوضى عارمة من الحقوق المضيعة و العبث…

هلع الطعام ..تدهور النوم … انعدام النظام و الاستقرار العائلي…الديون المتراكمة كلها عوامل تتراكم لتصنع ارتفاع مخيف في حالات القلق و التوتر و الضيق لدى الكثير و يشعر  الأغلبية بإحساس جارف من الاستياء العام لأنهم مقصرون في كل الجوانب… ومهما حاولوا و مهما اجتهدوا يظل شعورهم خانق بالاستنزاف و عدم الكفاية..

يظهر كل ذلك بوضوح في ممارسات عبثية للتفريغ كهوس التسوق و الانفلات الاخلاقي و النفسي خاصة المدمنين على عادات سيئة و سيئة جداً …ذلك لأن اختلال التوازن النفسي و تعادل الأدوار الحياتية في البيت و الشارع و العمل يجعل مخزون تقدير الذات يضعف مما يقلل مناعة الفرد و مقاومته للإغراء و الغرائز و الإدمان….

*أخيراً في الجانب العبادي يصل البعض لنهاية رمضان و هو حطام لأنه أجهد نفسه بشكل بشع في كل شيء و بشكل غير منتظم وغير متدرج….

بالتأكيد المفاهيم المغلوطة عن التبتل و العبادة جعل الأغلبية تعبد رمضان إلهاً فيه الرحمة و الكرم ولن تكون في أي يومٍ سواه، و تناسوا أن الله هو الكريم و ليس رمضان و أن الله رحيم بنا .. يريد أن يتوب علينا دوماً و ما جعل علينا في الدين من حرج…

شهر رمضان أشبه بموسم تخفيضات، لكن ليس المقصود بالتخفيضات أن تشتري كل شيء، إذ ليس بمقدورك ذلك ولا يصح ذلك، بل عليك الأخذ من كل صنف ما تحتاج وما تقدر عليه بما يوصلك للمقصد الشرعي الأكبر الذي من أجله شرع الله رمضان… أتعرفون ما هو ؟؟؟

إنها التقوى…..كيف نعبد الله بما نستطيع و بما تصل له أقصى جهودنا دون أن نتلف توازن حياتنا و دون أن نقصم ظهورنا…

كيف نخشع لله و نقول له أننا نحبك يا رب فاغفر لنا و اعتقنا من فشل الدنيا و جحيم الآخرة…..

في النهاية لماذا تأخرت هذه المقالة للآن ؟؟

حتى تأتي و الوجع ملتهب فيظل الدرس عالقاً في الوعي طوال العمر و حتى رمضان القادم إذا كان لنا عمر… أعزائي دعونا نشحذ العزم أن نتحرر من قيود النفس و المجتمع و التقاليد الضارة و أن نستعد لأوقاتنا المقدسة بشكل صحيح  وحتى ذلك الحين تذكروا أن الكريم إذا سُئل أعطى و إذا أعطى أدهش سبحانه لذا أكثروا سؤاله….

صور-طبيعه