أرحام و حمم

كُتبت يوم الخميس 10 مارس 2016 12:14

أن تتلقى طعنة أو رصاصة لهو أمرٌ سيء، لكن مدى السوء يتوقف على مكان الإصابة؛ فلو كانت في الأطراف ستؤذيك لكنها غالبًا لن تقتلك، ولو كانت في الرأس سيكون موتك حتميًا وسريعًا…

بينما لو جاءت في مكان حول قلبك، فستكون في خطر الموت بقدر اقترابها من القلب وموتك لن يكون سريعًا في الغالب.

ستتعذب مع كل نبضة يحاول فيها قلبك أن يتمسك بالحياة، ﻷن كل نبضة تدفع بالدم للجسم ستمزق الجرح القريب من القلب أكثر فأكثر…

الضربات المعنوية لا تختلف أبدًا عن الطعنة والرصاصة إلا كونها أشد تعذيبًا وتنكيلاً بصاحبها، تقتله في كل لحظة ألف مرة، ثم لا يجد له بواكي، إذ لا أحد يرى جراحه ونزيفه.

الشاعر الجاهلي قالها قبل قرون: (وظلم ذوي القربي أشد مضاضة…..)

ضربات أولي القربى تقترب من القلب أكثر من غيرها، وتصنع موتًا متدرجًا يومًا بعد يوم لمساحات الإنسان.

في هذا النوع من الضربات ستتأوه … ستتلوى … ستتعذب … ستسقط في غيبوبة تحول الدنيا رمادية في عينيك، تهذرم فيها بطلاسم لا يفهمها إلا من يقرأ دموعك وعينيك، لكنك لا تموت وهكذا يستمر الجحيم بعينه طويلاً.

لذا، فإن ترتيب الجانب الأسري من أولويات العيش الكريم؛ ونقصد بالجانب الأسري أقارب الدرجة الأولى فقط: (أب، ام، إخوان، أخوات، زوج، وأطفال).

بقية الأقارب، كالعم، الخال، والجد، كلهم مفعول ﻷجله.

فهم ليسوا أهل حقٍ عليّ إلا ﻷجل أبي أو امي، أما هم شخصيًا لا حق لهم عليّ مباشر … هم قرابة درجة ثانية وثالثة، ويشملهم كلامنا بأولوية أقل من أقارب الدرجة الأولى.

لماذا الجانب الأسري ذو أهمية قصوى للحياة الانسانية؟

يرجع ذلك لسببين:

1. البديهيات فيه كثيرة ومتطابقة مع فطرتنا؛ لذا لن نختلف فيه إلا قليلاً، والمتعارف فيه تتفق فيه كل الأديان والأعراق؛ لذا يعتبر أسهل للفهم والاتفاق، وهذا يجعله جوهر الاصلاحات المجتمعية الكبرى.

2. ﻷنه غالبًا هو الوجع الأكثر حرقة للجميع والأصعب علينا، وﻷن تداعياته تعمل بشكل مؤثر جدًا وأكيد على بقية الجوانب.

وﻷجل أن نفهم أهمية الجانب الأسري، دعوني أشرح لكم قاعدة هامة أرساها علماء التفكير والسلوك الإنساني؛ فقد وجدوا أن هناك مستويات للإدراك والتفكير عند الانسان، هذه المستويات مثل الأغلفة أو القشور كلما أزلنا غلاف ظهر مستوى أعمق حتى نصل ﻷعمق نقطة داخل الانسان.

وعليه، يكون تقييم أي جرح أو حدث يتلقاه المرء في إدراكه المعنوي بحسب هذه المستويات؛ بمعنى نحدد حجم الأثر عن طريق تحديد المستوى الذي أصابه الجرح أو الفعل وهذه المستويات من الخارج للداخل كالتالي:

(من الأقل أهمية للأعلى أهمية):

1. البيئة.

2.السلوك.

3.القدرات.

4.المعتقدات.

5. الهوية.

6.الصلة.

ولعلنا سنناقش بمقال قادم دقة وأهمية هذا الهرم.

ما يجب أن تركزوا عليه هنا أن صلات الإنسان (العلاقات) أهم عنده من هويته وذاته، وهذا يجعلنا نفهم ما يحدث عندما يشتمنا أحدهم بقوله: أنت سيء!

ستكون موجعة، لكنها أقل وجعًا من لو قال: وأبوك وأمك سيئان ولم يربياك..

لاحظوا أن الجملة الأخيرة موجعة أكثر بكثير ﻷنها تشمل أقرب صلاتنا لنا.

لابد أن نفهم أن كثيراً من فراغات نفوسنا سببها الجوع العاطفي منذ الطفولة والتفكك الأسري الذي نعانيه، ﻷن هذه العلاقات الحميمية أهم في فطرتنا من أي شيء آخر نملكه.

حين تخبرني صديقتي أنها (فخورة بي) شيء حلو … في حين لو أخبرني أبي أنه فخور بي فهذا أقصى سعادتي!!

الله سبحانه تعطف علينا أن ناقش ذلك بتفهم وتعاطف في كل القرآن والأحكام النبوية.

أحكام لا نهاية لها عن الزواج والأطفال وحل المشاكل مع الأقارب، حض على الإحسان للوالدين ولذي القربي وحسن تربية الأبناء.

والقرآن أعتنى كثيراً بقصص الحزن الأسري في حياة الأنبياء، قصة يوسف، نوح، لوط، إبراهيم، آل عمران، زكريا، مريم، ورسولنا الاكرم محمد صلى الله عليه وسلم.

هذا مواساة من الله لنا على صعوبة والتهاب هذا الملف في حياتنا البشرية.

من جهة اخرى للأسف أن الفجوات في هذا الجانب لا يمكن استبدالها أو تعويضها مهما فعلنا، وتظل حزن كامن داخلنا كما ظل حزن الرسول على أهل قرابته ينزف داخله رغم كل ما أعطاه الله.

صحيح يمكن معالجتها، لكن تظل هناك ندوب نحملها معنا حتى ننزل قبورنا، ولهذا كانت أمانة الأسرة والوالدين والأرحام قصوى في تشريعاتنا الإسلامية وفي كل تشريعات الأمم العاقلة ذات الخبرة الحضارية.

الغريب أن يركز الكثير على بر الوالدين أكثر من تركيزهم على حسن بر الآباء ﻷبنائهم مع أن النقص والجراح في الصغار أشد ضرراً وأطول بقاء.

والآن هناك عدة نقاط مهمة جدا للجانب الأسري، لابد نركز عليها تماماً، فهذا سيخفف صعوباتنا الفكرية تجاه هذا الجانب وبالتالي يهون المعاناة.

1. النقص والخلل في الجانب الأسري لا يعوض ومن يقول لكم عكس ذلك يغالطكم. نعم لن تتوقفوا ولن تموتوا، لكن ستظل طعنة في الداخل وأثرها في كل ذرة فيكم.

تقبلوا ذلك.

ومن منكم يعتقد أن نجاح مهني أو أكاديمي أو نجومية جماهيرية بتعوضه فهو واهم، وسيظل فرد ضائع ومتخبط وغير مكتمل بأعماقه.

كمثل واحد يريد يأكل عسل أصلي للعلاج فلم يجده؛ لذا أخذ ماء محلى بسكر.

صحيح يخيل له أنه أكل شيء حلو بس الفرق شاسع جداً.

الذي يعتقد أن أخوة في الله سيعوض أخوة الأسرة واهم، مع أنهم البديل المتاح الأنسب لإكمال الحياة لكن الأصل أخوة رحمي.

الذي يعتقد أن ترك عشرة شريك الحياة والأطفال من أجل أي سبب مهما كان، سيجعل حياته جيدة فهو مخطئ وتعيس…

الرسول بكى خديجة حتى مات، واختار أن يموت في حضن عائشة ﻷنه لا بديل لدفء أسرتك.

تخيلوا الطفل اللي يخرج ناقص من بطن أمه ووضعناه في الحضانة الصناعية سيعيش، أليس كذلك؟

لكن هل الحضانة مثل بطن أمه؟

بالطبع لا..

هكذا هي حياتنا … الأسرة هي الأصل، ولابد أن نحافظ عليها بكل ما نستطيع.

لا تقاوموا ولا تغالطوا فطرتنا كبشر؛ وإن اقتضى القدر أن يحرمني منهم، فعليّ محاولة تكوين أسرة خاصة بي.

2. من النقاط الهامة التي تجعل العلاقات الأسرية عسيرة (الإزدواجية).

بمعنى، أنا في أسرتي الضحية والخصم والدفاع في نفس الوقت دون أن أشعر. مثلاً:

أمي ظلمتني، فأشتكي بها ﻷخي. بس وأنا اشتكي وأبكي أكون عاجزة أن أمنع نفسي من أن أدافع عنها، وأجتهد أن لا يأخذ عنها نظرة سيئة أو موقف سيء، وفي نفس الوقت أريده كأخي أن يقف معي.. هذا الصراع يمزقنا من الداخل.

صعب نأخذ صف أنفسنا ضدهم، وصعب نغالط شعور الظلم داخلنا حين يسيئون إلينا..

وحين نريد انتزاع أنفسنا من مساوئهم نشعر بالخيانة، ﻷننا ننجو وهم لا، مع أننا حاولنا لكنهم رفضوا السماع لنا.

إنه يشبه نزاع نوح في كفر ابنه وغرقه، فمع أن الابن عصاه وتركه، إلا أن نوح لم يستطع أن ينجو بدونه، ولم يستطع أن لا يشفع له عند الله رغم كفره وجحوده.

حتى عندما يذكرنا أحد أن ﻷنفسنا حق علينا … تجدنا نتنبه قليلاً ونشد أنفسنا، لكن بعد فترة ترجع لنا الحنية والرقة ونهضم أنفسنا ﻷجلهم، ونظل هكذا كالموج ذهابًا وإيابًا، وداخلنا انسلاخات وحسرات وصدام وصراعات.

والحل هنا أن نظل دومًا ملازمين لمرشد لنا يذكرنا أن الحق أحق أن يتبع وأنهم بشر … وأن لا بأس أن نفارقهم عند تعديهم علينا، وأن نعود لهم عندما نأمن الظلم والتعدي منهم علينا وعلى مساحتنا الخاصة. ونجاهد ما استطعنا للتوازن.

3. أفراد الأسرة لا ينفع معهم الكلام، ولا المحاضرات ولا المواعظ، صح الحوار مهم لكن ليس هو الطريقة الفعالة معهم ﻷنه في اعتياد وألفة بيني وبينهم.

وكما يقول الشافعي:

الذهب في موطنه تراب،

والعودة في أرضها حطب؛

لذا لنجعل الحوار الطريقة رقم 3 في التعامل مع أسرتنا.

أما رقم واحد فهي القدوة.

فالأسرة تحترم الناجح.. القوي.. الفعال.. المتزن.

كن قدوة سيحترمونك، وسيتبعون طريقتك آجلا أو عاجلاً.

وإما الطريقة الثانية هي البر.

يعتقد الكثير أن البر الذي نعني به العطاء سواءً كان ماديًا أو معنويًا هو شيء من المصلحية والاستغلال.

صحيح هو قد يكون كذلك، لكن مبرره أن الأسرة يريدوا الاستفادة منك فأنت صنعة يدهم ولن يتأثروا إلا بعطائك لهم.

هم يعتقدوا أنك حقهم وهم أحق بالانتفاع بك من أصحابك أو من الآخرين أو من حتى نفسك.

إذن.. القدوة ثم البر ثم الحوار.

وغير هذه الطرق وبهذا الترتيب فلن يتغيروا ولن تنجز شيء معهم غالبًا.

4.مما يصعب الأمور في الأسرة الينبيغات والمفترضات والمثاليات، بمعنى أقول لنفسي دوماً:

المفترض هو أخي يفهمني ويساندني … المفترض هو أبي وعارف طبيعتي، ولا ينبغي أن يسيء الظن بي.

المفترض هي أمي وينبغي ترحمني، المفترض هو شريك حياتي وينبغي يتحملني ويضحي ﻷجلي..

هذه الينبيغات كلام فارغ ومثالي لدرجة الحماقة!

هم بشر ولازم اجتهد أكسبهم أكثر مما اجتهد مع الآخرين.

أخي لن يفهمني إلا إذا شرحت له أضعاف ما أشرح لصديقي.

اختي ستحبني لو تواصلت معها كما أتواصل مع جارتي…

أبي بالتأكيد سوف يسيء الظن بي حين لا أفسر له مواقفي بالتفصيل.

بل الإسلام جعل أفضل ما عندك ﻷهلك … قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله).

بمعنى أفضل وقت عندك.. أفضل كلمات.. أفضل شرح.. أفضل خدمات.. أفضل هدايا..

أحسن ما عندك قدمه لأسرتك. وهذا عكس ما يتداوله الناس من كونهم لا يهتموا بالذوقيات والرومانسيات في بيوتهم، ومبررهم عدم التكلف والتبسط.

والصواب أن الإحسان ومكارم الأخلاق ليست تكلف، بل هي حق ﻷهل القربى.

5. تحرروا من شعور الضمانة … شعور الركون … شعور الاطمئنان أنهم في الجيب..

الأسرة بشر كغيرهم من البشر، لا ضمانات في التعامل معهم.

أبوك لن يظل أبوك … أخوك قد لن يظل أخوك … وابنك لن يظل ابنك …

الله أخبرنا في القرآن أنه قد يكون من آبائنا وأبنائنا وأزواجنا عدو لنا.

لذا لا تستبعدوا … لا تنصدموا حين ينقلبوا عليكم … صح ستحترقوا بلظى هذه الحقيقة … لكن لابد تخرجوا من هول صدمة أنهم صاروا خصوم لكم في لحظة.

هم بشر وكل شيء ممكن!

شريك حياتك قد يخونك … يكيد لك … يحسدك.

أخوك ممكن يقتلك.

أمك تستغلك ﻷجل مصلحتها.

هم بشر..

والعمل؟

كن قوياً وذو عزم.. حافظ على نفسك.. خذ احتياطاتك.. احمِ خصوصياتك.. واثبت على خيريتك لهم مهما حصل.

معادلة صعبة أن أحذر منهم وأن أوفي بالبر لهم …لكنها هي الأسلم واﻷصوب.

تجد الأزواج ماهرين بهذه المعادلة، لذا يخفوا عن زوجاتهم كم راتبهم حتى لا يضيقن عليهم (هات هات)!

وتجد أباك نفس الحكاية، لو عرف أن راتبك 50 ألف سيصرف مبلغ أكبر يومياً ويوسع على نفسه ركونًا عليك..

وأمك لن تسأل بقية إخوانك وتظل مركزة عليك: هات هات.

و نهاية المطاف ينتقدونك بقسوة أن أختك درست ماجستير وأنت لا.. (أنت أحمق ضائع) – هكذا يقولون- بينما أنت كل أموالك كانت لهم وأختك كانت تعطيهم قدر محدد، والباقي لدراستها.. صاروا فخورين بها بعد تخرجها.

هذه طبيعة غالبة في البشر إلا من رحم الله.. الجحود.. النسيان.. الطمع.. الطغيان…أمور ملازمة لهم.

الجانب الأسري يبدأ من الداخل، من قناعتك بعظمة حقهم وبأهمية توازنك معهم.

هناك الكثير من التفاصيل الجميلة في القرآن والسنة وستجد البقية من أفواه الحكماء والمرشدين.. وكل شيء يمكن تصليحه مهما بدا مندثراً.

فقط شمر ساعديك، لترتب هذا الجانب من حياتك ﻷجلك أنت، قبل أن يكون ﻷجل أحد آخر.

lovepik-duck-family-picture_501462375