“لا شيء يقف أمامها ولا يوجد شيء يمكن أن يوقفها حين تبدأ، ومهما كانت قوتنا وتقدم علومنا فإننا نقف مكتوفي الأيدي عاجزين ننتظر أن تمر بسرعة وسلام ثم نلملم ما أبقته لنا من حطام “. هكذا عبر الأمريكيون بكل حزن وحسرة عن تجربتهم مع عاصفة كاترينا التي أنهت ازدهار مدينتهم التي كانت زاهرة على ضفاف المسيسبي.
“سيكون أكثر شيء مرعب في حياتك أن تجد نفسك في مواجهة عاصفة هوجاء أو إعصار ثائر” هكذا يؤكد كل من رأى إعصارًا أو شاهد عاصفة متحركة، حين تبدأ العاصفة لا يمكن إيقافها، وحين تضرب لا تفرق بين ما هو خاص وما هو عام، لا تُبقي ثقيلًا ولا خفيفًا أمامها؛ فالريح العاصفة يمكنها أن تخلع الجدران الإسمنتية وأن تحمل ما يزيد وزنه عن عشرة أطنان إلى ارتفاع قد يصل إلى بضعة أمتار ثم تقذفه لمسافة وصلت في بعض الحالات إلى 3 كيلو مترات .. تكون الكارثة أكبر حين ترفع الريح اللولبية الماء في داخلها إلى مسافة قد تصل إلى 15 متر وتضرب بها المباني والأراضي فتغرق مدنًا بكاملها كما حدث على سواحل فلوريدا، لا مكان آمن عند مرور الإعصار العاصف إلا أن تكون ذا قلب قوي الجأش ولك عقل يعرف الإرشادات اللازمة، فحين يهب الإعصار وتعرف بوادره التزم مكانًا أرضيًا محكم الإغلاق كالقبو أو الملاعب (Underground) المغلقة وإن لم تستطع فالبحث عن غرفة متينة الأرضية قليلة النوافذ واحتمِ تحت مكتب أو طاولة قوية الدعائم، يؤكد المختصون أن تحت السطح المكان الأكثر أمانًا عند هبوب الريح الهوجاء الجافة، أما عند الفيضانات فلا بد أن يكون مخبؤك قابلًا لتصريف المياه الكثيرة أو مكانًا مرتفعًا محصنًا، هذه الإرشادات أصبحت لازمة لسلامة الكثير من الشعوب، لكن أفضلها هو أن تبتعد عن طريق العاصفة وأن تحاذر الالتقاء بها، قد يكون هذا ممكنًا حقًا مع العواصف الجغرافية، لكنه محال مع أعاصير الحياة، نعم فحياتنا لا تخلو ولن تخلو أبدًا من هكذا عواصف سواءً على المستوى الشخصي أو العام لا بُد أن تجد نفسك في مواجهة إعصار مروع يضرب كل ما حولك من قناعات ومبادئ بل وأحلام وآمال لا بُد أن يأتي يوم البلاء حين تضرب العاصفة قلبك وأرجاء روحك ومكامن عاطفتك ومشاعرك، لعلها عاصفة يسببها أشخاص مقربون أحببتهم كثيرًا ولكنهم خيبوا ظنك على نحو مروع لك، أو لعلها عاصفة شبهات والتباسات تعبث بمبادئك السامية وقناعاتك الطاهرة، أو لربما تكون عاصفة مِحن وابتلاءات فكلما حاولت تعثرت، وكلما اجتهدت فشلت، وكلما ظننت أنك وصلت إلى مناك تفاجأت بأنك مازلت تُراوح بعيدًا حتى عن خط البداية الصحيح، كم من أعاصير أنهت حياة أناس فتركتهم أشلاء ميتة تتحرك بيننا وكأنهم أحياء لكنهم حقيقةً أموات خاوون من الروح الدافئة، تذكر أن هناك أعاصير متنوعة ولكن أعنفها وأكثرها ضراوة هي التي تضرب من الداخل، فحين تضرب العاصفة عليك التزام الإرشادات التالية:
1. تحصن خلف أسوار أقوى مبادئك، تحصن في دروع ثقتك المطلقة برحمة الله أولًا ثم ثقتك بنفسك الأقوى وبأفكارك الأكثر تجذُرًا في روحك.
2. حافظ على معنوياتك مرتفعة وحدِّث نفسك دومًا بأنّك قويّ وأن العاصفة مهما كانت كاسرة فإنها لا بُد أن تستمر وأنك ستصمد لا محالة وهي أضعف من أن تصرعك.
3. كُن مرنًا وبدِّل تكتيكك للبقاء بحسب حيثيات الأحداث ولا تكابر، دعها تضرب بكل عنفوانها.. لا تقلق فالأساس في نفسك ثابت واثق، ولعلك قد تنحني كانحناء السنابل الخضراء اللينة التي تبرع بانحناءة المرونة للبقاء وتذكر أن المرونة غير مخزية فيما دون الخطوط الحمراء الأساسية.
4. لا تزد نفسك همًا لا تُثقِل كاهلك بإحصاء الخسائر أو النواح على أطلال الأنقاض المتناثرة فما هو موجود لا يذهب بالندب والنواح، بل علينا تقبله بوعي واستعلاء، تقبل أن تخسر شيئًا هنا وشيئا هناك فكل شيء يمكنك تعويضه ما دام جوهر نفسك موجودًا والله يكفيك، عمِّق في نفسك بأنك قادر على البدء من جديد مهما كانت الخسارة، فالأشجار الأعمق جذورًا قد تفقد أغصانها بل وقد تنقصم من سيقانها إلا أن جذورها ضاربة في الأعماق تحمل بذور الحياة، وما هي إلا أيام قلائل حتى تبدأ البراعم بالإزهار مبشرة بجولة جديدة.
5. جهِّز نفسك لما بعد العاصفة، نعم عليك أن تعيش الحل وأن يُلهب حماسك الأمل فتجهز بأن تُلملِم شعث نفسك فهي الأصل، ثم احشد قواك وخبرتك ودوافعك لتواجه ما بعد الأزمة.
6. احذر أن تحدد معالم الطريق والرياح تعبث بكل شيء فهذا خطر لا تستعجل، فالنصر الحقيقي هو أن تخرج سالمًا واعيًا لما تريده، اكمن في مخبئك الآمن حتى تهدأ الأجواء وتستبين الرؤية عندما يحصل ذاك ابحث عن معَلَمٍ ثابتٍ شامخ لم يتأثر بالدمار الحادث ثم استدل به.
7. امضِ ولا تلتفت، فالفتن سنة الرحمن في عباده والتغيير سنة كونية فأيامك لن تكون كلها عاصفة ولن تكون كلها هادئة بل هكذا وهكذا ويظل دولاب الحياة دائرًا وتدور معه أمانينا المتجددة وأحلامنا المتصاعدة كن دؤوبًا في البناء لنفسك ولمن حولك. وأصلح ما فسد لكن بإبداع أكبر مستفيدًا من خبرتك المريرة، وتذكر أن المدن الراقية الآن والتي تعد مقاومة للزلازل في أوربا واليابان هي مدن أُعيد بناؤها بعد تدميرها الكامل بأسبابٍ كارثية ولقد استفاد أهلها مما حدث لهم فأعادوها أكثر حصانة ومقاومة للكوارث، عليك أن تكون مبدعًا ومحنكًا فلا تستعمل ما رأيته هشًا أمام الريح ولا تستعن بمن خذلك عند الكربة، ولا تلجأ إلى مكان لم يحميك حقًا في خضم العاصفة.
أخيرًا.. أيقن بأنه في زمن الكوارث لا يتواجد المتطوعون بكثرة للإنقاذ، فلا تنتظر يد العون ولا تعلل للنفس التقاعس بالانتظار لمن يعينك بل بادر لتكن لك اليد العليا.
وما كان أصيلًا في أعماقك ويستحق البقاء سيبقى، وما كان بائرًا هشًا مصطنعًا فمن الأفضل أن تتخلص منه باكرًا لتبدله بأحسن منه، هوِّن عليك لا تُرهبها فما زالت في أكناف الغيب، لا تُرهبها فإنها سنة تمر على الجميع كما يتعاقب الليل والنهار لكن من يستعلون القمم لا بد أن يصيبهم النصيب الأكبر من العصف لعلو مكانهم فهم دومًا أصحاب المواجهة المباشرة فاجتهد لتكون صاحب القمة الأرسخ.