كل القصة

من وقتٍ لآخر تتساءل لماذا يتصارع البشر إلى هذا الحد الوحشي؟! لماذا تتمزق العائلات وتُقطّع الأرحام؟! لماذا يتحول الأحبة إلى أعداء لا يُطيقون حتى النظر لبعضهم؟! ولماذا تنهار الدول كبيوت الرمال عند أول موجة انقلاب؟!

الإجابة عن هكذا أسئلة يطول؛ لكن يمكن تلخيصه في سر التقارب والتنافر بين البشر وكيف يتفقوا أو يختلفوا في رؤيتهم للأمور، وبالتالي مشاعرهم تجاهها، وما تنتجه تلك المشاعر من سلوكيات وردود أفعال حيالها.. هذا هو منشأ كل ما قد تراه من شقاء وصراع أو سعادة وترابط..

رؤية الإنسان للأمور وللأحداث عامل جوهري في صناعة خياراته وهذه الرؤية تختلف من شخص لآخر بحسب مستواه في الإدراك، والإدراك شيء أعمق بكثير من مجرد العلم بالشيء.. فكل قصائد الحب التي قد تحفظها لا تعني أنّك تذوقت الحب البتة.. وكل قصص البطولة والحرية التي أتخمتَ بها عقلك لا تعني أنك عشتَ رجلاً حراً ولا لموقف واحد في حياتك..

ها هنا دعنا نستعرض على عُجالة مستويات الإدراك للبشر، ويجدر الإشارة أننا في الغالب نعيش كل المستويات من وقت لآخر ومن مساحة لأخرى في حياتنا، لكن ما يحدد هويتنا الحقيقية هو المستوى الذي نقضي فيه أغلب وقتنا ونفكر فيه أكثر كمرجعية لمواقفنا..

1⃣ المستوى الأول: أنا

في هذا المستوى يتمحور إدراك الشخص حول نفسه، رغباته، ما يخافه، وما يريده…الخ.

هنا هو أناني بالضرورة لا يراعي واجباته ولا مسؤولياته ولا يحاول تفهم الآخر، هؤلاء أشبه بإدراك الأطفال.. هم يوقظون أمهاتهم في منتصف الليل بكل فظاظة؛ لأجل حاجتهم دون أدنى مراعاة للنائمين أو حتى لتعبها، هو لا يُدرك شيء إلا جوعه ولا يؤنبه ضميره لفرط جهله.

هنا نتعامل مع مخلوقات بدائية الاهتمامات وأنانية التفاعل، وما أكثرهم بيننا حتى وقد شاب شعر رؤوسهم، تجده دومًا يتحدث عن مخاوفه، وما ينقصه، وما يشتهيه.. يبرر كل شيء لشخصه المهم جداً ولا شأن له بالصورة الأكبر.

2⃣ المستوى الثاني: أنا وأنت

في هذا المستوى هو يبدأ بالتعرف والاهتمام والفهم للآخر؛ لكن هذا الآخر يجب أن يكون مرتبط به عاطفياً؛ أي أن يكون على مزاجه وهواه.. رموزه المفضلة، أصحابه، أمه، أبوه، زوجته، عياله.

هو يختارهم بمزاجية، وغالبًا بغرائزية؛ لأنهم في نظره مصلحته وملكيته، يهتم فيهم ولا يُبالي بغيرهم..

(هذا أقرب لإدراك المراهق) تجده يراعي زوجته ظاهرياً بينما لا يبالي باحترام أهلها وهي تهتم بزوجها بينما تضمر العداء لأمه.. وما أكثر هؤلاء ممن لا يبالون إلا بمن يروق لهم ويوافق هواهم من حزبهم أو طائفتهم أو قبيلتهم أو شلتهم ولا يبالي بحقوق الآخرين وكأنهم عدم.

3⃣ المستوى الثالث: أنا وأنت والآخر

هنا يصبح الشخص أكثر مسؤولية ونضج، يهتم بالكل، من يعجبه ومن لا يروقه، يراعيهم ويبالي بهم مادام لهم حقوق عليه وفق معايير أخلاقية وقيم عُليا.

تجد هؤلاء يتعاملون بنضج مع موظفيهم جميعاً، وأصدقاء أولادهم، وأهالي زوجاتهم، وأقاربهم الأباعد.. يراعون جيرانهم ويؤدون حقوق المواطنة لأوطانهم كما يتفاعلون بعدالة مع كل إنسان يقابلونه سواء أكان من نفس جنسهم او دينهم أم لا..

يفكرون كثيراً بتبعات سلوكياتهم على الآخرين.. ليس لديهم مكيال مزدوج ولا قائمة تصنيف وعنصرية أو طبقية من أي نوع، حين يكتب منشور يفكر بكل شخص قد يقرؤه هل سيأخذه لمكان أفضل أم أسوأ كإنسان، يراعي مكان القمامة التي يرميها، نوعية الإنتاج الذي يقدمه..

يُفكر بكل شخص قد يتأثر أو يتأذى بمظهره أو ألفاظه؛ إنه مستوى إدراك عالي لواجباتنا كأفراد في البشرية تتداخل مصائرهم.

3⃣ المستوى الرابع: أنا وأنت والآخر والكون

هنا يُراعي المرء كل شيء قدر استطاعته.. البشر، الحيوانات، الطبيعة، بل حتى الكائنات الغيبية، إنه يعلم أن الكون مليء بالأحياء، والأشياء المرئية والخفية؛ لذا فهو يحترمها، ويقدرها، ويُراعي حدوده معها، ومسؤولياته تجاهها.

إن الإنسان الذي يرمي علبة بلاستيك في البحر ولا يُبالي بالسمكة التي قد تعلق فيها وتقتلها يعاني تخلف في إدراكه بانتمائه للكون.. أن ترمي بقايا أكلك للقمامة دون أن تفكر بتقديمه للعصافير، أو للقطط الشاردة هو قمة التبلد تجاه مخلوقات حية مثلك.

الكون حولك من حقه عليك أن تُراعيه وتتفاعل معه بالخير، لا ضرر ولا ضرار فهو قد أعطاك ويعطيك الكثير بالفعل وكل ما تقوم به سيؤثر بالتراكمية على كل المنظومة، ففي النهاية أنت تعتقد أنك الكائن الأرقى في الأرض فلماذا لا تُبالي؟!

5⃣ المستوى الخامس: أنا وأنت والآخر والكون والله

الإنسان هنا أكثر نضجًا ورجولة ورشد، يُدرك العالم الواسع لكن مازال يجهل ما خلف كل هؤلاء؛ لذا يستنتج أن هناك ما يُحرك كل شيء في الخفاء على نحو كامل ومعجز، وأن هناك قُوى عظمى تُدير كل هذا الكون البديع.

الإنسان بفطرته هنا يكافح لاستيعاب القيم، والغايات، والروحانيات، والإنسانيات والإيمانيات فيتحرر من مجرد الماديات والغرائز.

إنها حالة من الحكمة تُمثل مساحة واسعة وعميقة متعددة الزوايا من الوعي تمهد للمقامات النورانية.. يتسامى المرء فيها فوق نزواته ومطامعه.

يختلف البشر هنا في دياناتهم وفكرتهم عن الخالق سبحانه جل شأنه، لكنهم كفطرة يتفقون حول الكثير من الإنسانيات والقيم السامية مما يمثل فرصة كبيرة للتعاون على البر والخير..

وبنظرة عامة للمستويات لك أن تتخيل أن أغلب البشر حالياً في المستوى البدائي أو الثاني لعدة أسباب، وعليه يتضح لك لماذا لا يستقر هذا العالم الظالم لنفسه، وستفهم سبب وحدتك بين من حولك فلعلك في مكان مختلف بعيد عن مستواهم.

أحدث المقالات

6620bbcd7b6e2