بني:
أكتب إليك أمام الأفق المفتوح حيث أجلس دوماً لأجدد إيماني.. أن الأرض لله وحده يورثها من يشاء بحكمته ورحمته، وأن الكون أوسع من رغباتي ومخاوفي وهمومي، ولهذا فلا داعي للغرق في حفرة ضيقة مما أشعر وما أفكر.
أتساءل حقاً.. تلك السحابة التي تمر أمامي الأن من أين جاءت؟؟ وأين ستمضي، لكأنها عروس تمشي الهوينا؟؟
أنا لا أعرف، لكني أؤمن أن الأمر بقدر موزون على مستوى جزيء من الذرة.. عليَّ أن أؤمن بذلك وإلا فلا شيء سيبدو منطقياً في الحياة.
أحاول أن أتخيل الشعور الذي تمر به بسبب عدم إستماعهم لك.. أنا أعرف طعم هذا الشعور فلقد مررتُ به كثيراً مع من حولي – بالطبع مع فارق المقارنة-، يُخيل للمرء أنهم لا يستمعون له لأنهم لا يحترمونه أو لا يقدرونه.. يؤلمه ذلك ويظل يفكر لو أنني أقوى، لو أنني أبلغ حُجة، لو أنني، لو أنني… لأستمعوا لي، بالتأكيد كانوا سينصتون لي..
بينما الحقيقة التي يحكيها الله في سورة الزخرف أن البشر لديهم جهل وعناد وغباء حتى النخاع، هم حين يتبعون اهواءاهم وحماقاتهم يصبح الأمر عندهم سواء، فلا فرق عندهم أن يخالفوا هذا القوي أو ذاك الضعيف، وحتى لو فُُتحت لهم السموات وعُرجوا فيها لقالوا إنما سُكرت أبصارنا، ومهما كان الآخر قوياً أو وجيهاً في طرحه وأدلته.. فهم في غيهم وتخاذلهم يتمادون.
قد يحزن المرء لتلك النتائج المأساوية التي كان يمكن تفاديها لو أنهم سمعوا لنصحه، ومرة آخرى تأتي الزخرف لتخبره أن لكل أجل كتاب وأن كل ما سيحصل سيحصل، وأن الجميع سيلاقي ما يستحقه، لا أحد مظلوم ولا شيء هدر.
قد يخنقه الشوق لتحقيق المراد “فلو أنهم أطاعوني لوصلنا أسرع” هكذا يفكر طويلاً في ليالي الأرق الثقيلة.. وهنا الزخرف تشرح أن الله له مواقيته وله وعده ومواعيد حكمه، فلا طالب التأخير سيُؤخر له ولا المستعجل سيُعجل له وكل شيء بحسبان، فلا داعي للقلق.
الزخرف وعظت كل قائد مكلوم من زمانه، غارق في الفتن ممن حوله.. وعظته أن الأمر لله من قبل ومن بعد.. فلا تكُ في ضيق مما يقولون ولا تذهب نفسك عليهم حسرات…
ما أحلى تلك المواساة!!
تأمل الزخرف.. دع إيمانك يخبرك كيف تفكر وكيف تشعر، فلا فائدة من نفس محترقة بني…
دعواتي لا تنقطع لأجلك ولأجل أمتنا.