وصية مجرب مخضرم

العقل مثل صفحة الماء لا يمكن أن ترى أعماقه إلا عندما تصفو صفحته من التموجات والشوائب.. عندها، أي عند الصفو.. تنفتح لك كنوز الحكمة.

ولا يمكن للعقل أن تصفو صفحته من التموجات إلا عندما يخلو بنفسه خلوة راشدة اختيارية.. خلوة تفصله عن الشاردات والنوازع من داخله ومن خارجه.. خلوة يسميها المعاصرون التأمل ويسميها القرآن التفكر.

تلك الخلوة تضمن السكون لكل جزء من النفس وليس فقط للجوارح كما يظن البسطاء، فهدوء الجوارح لوحده لا يضمن انقطاع تفكير العقل في مطامعه ومخاوفه.
يجب أن يكون الهدوء شامل وكامل لتروق صفحة العقل وتصفو رؤيته للحياة وللأمور فيدرك اﻷشياء على حقيقتها.. ليس كما يرغب ولا كما يرهب.

خلوة كهذه دفعت بأنبياء وعظماء لرؤوس الجبال وبطون الصحاري.. أرادوا الصفاء فكان لهم ثم كانت لهم الحكمة التي صنعت منهم أناس مختلفين.
ما نحن فيه من أسلوب حياة تجعل تلك الخلوة مستعصية ولو حاولنا، لذا صار الأغلب مبلبل الفكر حائر الإتجاه مشوش القرار.

وبقيت هناك بقية نالوا صفائهم إما بمرض يقطع رغبات الدنيا بطول اقامته ويقتل مخاوفها بشدة وجعه.
أو بالسجن الطويل خلف قضبان تعظ صاحبها أن عليه إعادة النظر في كل شيء بحياته فالدنيا ليست إلا جدران وباب ينغلق فتنغلق كل البهجة.

وثمة طريق ثالث وهي كهذه الأحداث الجسيمات مؤخراً التي تصدمك في وجهك وتجبرك على تقييم كل قيمك وتثمين نفسك من خلال مواقفك وليس تنظيراتك.

وسواء عثرتم على خلوة الأولين أو خلوة المعاصرين أو اجتمع لكم شيء من هذه وتلك أرجو أن تتمسكوا بالصفاء الذي سيغمركم فهو بلا شك سينقل حياتكم لمستويات فلكية لم تكونوا لتحلموا بها يوماً ما..
اعتبروها وصية مجرب مخضرم ودمتم سالمين.

53fab03683ab94de2c2515d4d47c163c