آمالنا لا تفتأ تذهب وتجيء كأنها أمواج بحرٍ زاخرٍ لا يهدأ و لا يكل …. أحياناً صاخب، وكثيراً ما يكون هادئاً ذلك الهدوء الغاضب المرتاب… هكذا هي أنفسنا… أعماقٌ سحيقة ومعانٍ غامضة وطاقاتٍ مدفونة، ومع هذا لا نمل من الحديث عن الحياة بكل جمالها و الأمل بكل بهائه و و و و و.. معانٍ كثيرة سامية نعلل بها الروح لتنهض معنا ولا تتوه مع تلك الأمواج العاتية.
لكن يبقى هناك – مهما حاولنا – من لا يعرف شيئاً عن أي معنى سامي ولا أي نور قادم.
هناك من يُنهي حياته بطعنةٍ أو لعبةٍ مجنونة أو طلقة أو حتى بعادةٍ سيئةٍ ذات أدخنةٍ قاتلة …. أو لعله يزيد الأمر بشاعة حين يخنق روحه في داخله فلا مبادئ ولا أخلاق كريمة ولا وزن حميد في الأرض ولا في السماء… وهذا هو الانتحار الأبشع؛ إذ أن الكثير يرتكبه ولا يستنكره أحد…
عجيبٌ أن يعيش بيننا كل هؤلاء المنتحرون ولا نحرك ساكناً .. أليس كذلك؟؟؟
لكن أخبار المنتحرين -بكل أنواعهم – تخبرنا حقيقة مهمة جداً… أن الحياة تنتهي بكل عنفوانها وجمالها فعلاً حين يتلاشى في أعماقنا الأمل ولو لثانيةٍ واحدةٍ فقط…
ثانية واحدة يعم فيها الظلام المرعب … يفقد كل شيء معناه وغايته.. لونه و مذاقه… متعته وبهجته … هنا فقط ينتهون ويغادرون بصمت مؤلم…
إن آمالنا هي- حقيقةً – أسعارُ أعمارنا فكم من عمرٍ راح بلا ثمنٍ لأنه بلا أملٍ حقيقي، وكم من أعمارٍ لا تُقدر بثمن ولو بكل كنوز الدنيا لأن آمالها تخرج عن حدِ الحاضرِ القريب – بل وحتى البعيد – وتجتاز كل الحدود إلى أن تصل لبوابات الخلود الإنساني… فإذا أردت أن تعرف إنسان… فانظر إلى أحلامه أهي محصورة لذاته أم تتعداها إلى الكون الفسيح.؟؟…
و يا ترى أين تمضي بنا آمالنا ؟؟؟
إن ما تتعلق به آمالنا هو بحق قيمتها الحقيقة ومؤشر وجهتها… كم ستبقى؟ وكم ستطول؟ وكم ستؤثر؟
والسر الكبير في كل ذلك هو أن قيمتها تكمن بمن أو بما تتعلق به… فإن كان رخيصاً كانت كذلك، و إن كان خالداً كانت عصية على الفناء…
فكيف والله هو محط آمالنا فأيُّ شيءٍ يمكنه أن ينتزع نوره الذي ملأ الروح والنفس بالسكينة والسعادة.
إنه بحق هو غاية الآمال فكيف تنقطع الآمال دونه؟؟!! …

دعهم … فليقولوا ما يشاؤوا في فلسفاتهم … وليبحروا في نظرياتهم …. يظل الإيمان بالله هو وحده الذي ينير الضمير، يبقى هو أساس كل ضياء وكل نهضة مهما تغلفت الكلمات وتصنع المتصنعون … ليس الأمر هرجاً ولا ثرثرة منبرية، بل هو رغبة حارة في الحديث عن سر اشتعال جذوة قلوبنا بالحب.. بالإنجاز.. وبالعطاء في كل حين … أتُرى غيره يمكنه أن يؤنس أرواحنا التي تغرق في كل تلك الوحشة والغربة مما نمر به من عواصف تردي وتكاسل من حولنا عن ما يجب عليهم أداؤه …؟؟!!! هيهات أن يكون بغيره ذلك الأنس.. !!
أفلا تشعر بالوحشة مثلنا ؟؟!!…. ألا ترغب في الاستمرارية الجبارة مثلنا ؟؟!! …ألا تتوق أن تكون شامة ونجمة بين الناس؟؟!! …. ألا تحرقك جمرة الغرباء الصاعدين في حين يتردى الآخرين؟؟؟!!
إذن هلمّ بنا إلى فهم أوسع لمعاني الامتياز والتميز الخالد …دعنا نبحر في رحلة سياحة ليس لها حد في متعتها وبلسمها الشافي للنفس، إنها آفاق بلا انتهاء وعميقة بلا قاع …وبلا خوف …فقط لأنها ستكون مع سبحات الضياء الربانية في أسطر متواضعة عاجزة متلعثمة ومتعثرة كتعثر ذاك الطفل الذي فقد أبويه في حادث مروع.. وفقد معهما قدرته على الحركة فأصبح كسير الروح والجسم بلا فرح .. وكيف الفرح وهو الصغير الذي حرم الجري والحنان والاستقرار….ويمر به أحد الأثرياء الذي اعتاد التجول في المستشفيات بحثا عن ملذات العطاء بدلاً من سياحة الملذات الأرضية ….امتلأ القلب الرحيم بالحنو على الصغير فعزم على العطاء النادر فتبنى عمليات مداواته طوال 8 سنوات يسافر به من بلدٍ إلى أخر في أرجاء المعمورة يدفع ألوف الدولارات بلا مَنّ أو بخل …..وجاء اليوم الميمون و خطا الصغير خطواته الأولى وآن له أن يعود لأقاربه …
وفي أخر لقاء للوداع مع حبيبه المحسن…. أسرع الصغير ليرتمي في حضن – من غمره بكرمه وعطفه لسنين – امتناناً وحباً… لكن قدماه الضعيفتان خانتاه فهما لم تتحملا وثبة الشوق السريعة …. فهوى … وقبل أن تؤلمه السقطة تلقفته تلك اليد الحانية الدافئة …مرة أخرى وبلمسة صادقة لا متناهية البذل …نظر الصغير في عيني من أحب وقد امتلأت عيناه بالدموع الممتَنة، ومرة أخرى خانه لسانه فانهمرت الدموع بصمت محب … ربّت الغني المحسن على رأسه بحنان عجيب …فلم يجد الصغير ما يفعله إلا أن يخرج قطعة بسكويت حبيبةً لنفسه من جيبه ويعطيها لمن أحب على استحياء …
العجيب أن هذا الثري الكريم يقسم بالله أن هدية الصغير أحب إليه من ثرواته وأطيانه وأغلى منها كلها فقط لأنها مغمسة بالحب الحيي…
إن تعثر أسطرنا كذاك التعثر، وكلماتنا كذاك التلعثم، وبذلنا كتلك الهدية… ولربنا تعالى المثل الأعلى سبحانه
أسطرنا أسطرٌ مسكينة …من قلوب كل ما ترجوه أن تترنم بالنجوى لمن أحبت وتاقت أن تقترب منه ولو خطوة ، وأن تشكره بحق ولو للحظة.. وأن تتطهر له ولو من خطيئة واحدة…
في سبحات الضياء نبحر لنتعلم ممن نحب و من له نتوق ونشتاق، فلقد تعلمنا من الشرق والغرب وبهرنا رجال وعمالقة تساموا في الشرف والجد وآن لنا الآن …..آن لنا أن نرفع الوجوه لقممٍ ليس لها منتهى …. نعم إننا على السفوح السحيقة، ولكننا تواقون .. وحسبنا طهر الاشتياق وصدق البحث والتأمل لجلاله سبحانه ….
الأمر عسير بل أعسر من كل شيء يمكن الكتابة والبحث فيه ….ومن نحن حتى نكون عنه متحدثون ؟؟!!وعن صفاته وأسمائه متكلمون؟؟؟ …لكن هناك ما يغرينا بلذة الوصول …أتعرفون ما هو …؟؟؟
انه هو .. ربنا الجليل الحبيب …فهو الودود الذي يرمي الشوق في قلوبنا حين توجعنا الحياة بالغربة والوحشة ثم يفتح الأبواب لنا …كل هذا لنعود إلى رحابه كلما ابتعدنا بجهلنا وغفلتنا… وليس له من عودتنا إلا الإغداق علينا بالنِعم والأمن والحب …وما أحلاها من عودة !!!
لندعو الله أن يفتح لنا بمنه لنغترف من حياض النور فنتعرف على ربنا ونتخلق بأخلاقه سبحانه من خلال بحث محب لأسمائه وصفاته بحثاً عن صفات التميز التي ترفع معايير الامتياز البشري والأداء الإنساني إلى مستوياته الأسمى، رحلة شائقة تتساءل كيف؟ …
إذن جهز فؤادك وعقلك للمفاجأة فإنه السباق الأهم في المضمار الأصعب…..أكرمنا بدعائك العذب ونصحك الصادق فأننا شركاء في سبحات الضياء…