يظنونه ضعيفاً ….توارى من شدة ضعفه عن كل الأعين إذ أنه ما عاد يتحمل معاني النظرات…
يظنونه تنحى… وتلاشى… وأفل كما تأفل النجوم البالية العتيقة…
يظنونه نسي وتثاقلت خطواته فما عاد له في المسير خط ولا أثر… يظنونه غفل عما كان يحلم فباع آماله- على الرغم من انفه- حسيراً لعجزه عن تحقيقها…
يظنونه و يظنونه… ويظنون… وليس لهم من الحقيقة إلا الظن وهل يغني الظن عن اليقين شئ؟؟!!…
أتُرى ظنونهم تعني الحقيقة حتى وإن كانوا جميعاً على نفس الظن بلا استثناء… القريبون والبعيدون على حد سواء…؟؟!!!
صحيح… لقد ضعف جسده الترابي… وأبطأت به قدماه المتعبتين من طول المسير… لكن روحه السماوية لازالت ترتقي فكراً و أملاً واشتياقاً… إنها روح محلقة لا يحدها ثقل الجسد… فهذه سنة الخلود في تلك النفخة القدسية من الرحمان سبحانه…
نعم لقد توارى عن الأنظار ليس لأنه ضعُف عن المواجهة، بل لأنه ينشد الهدوء والسكينة بعيداً عن همس العيون الفضولية… ذلك الهدوء الذي يمنح القوة للمستعصم بحبل ربه وعونه…
مكث في خلوته المؤنسة يتلمس إلهامات السماء لتنير له جنبات دربه، ضارباً ألف سورٍ من الاطمئنان حول قلبه حتى لا تزعج سلامه الداخلي أي نظراتٍ ساذجة من الشفقة المتوانية التي قد تشوش عقله وتفكيره وقد تغريه بالشكوى إلى غير ربه… إلى غير إلهه الذي رضي به محطاً لكل شكواه وبثه…
ثم من قال أن النجوم تأفل لتموت… إنها تأفل هنا لتشرق هناك في مكان أخر… أوليس الغروب ديدن الشمس القوية كل يوم؟؟!!
فمن يجرؤ أن يقول أنها تغرب لتموت..؟؟؟!!
إنها تغرب لتشرق على أرضٍ أخرى برونقٍ أبهى وضوءٍ أزهى… هذا إن كانت كلمة (الأفول) صحيحة للتعبير عن تواريه (الحكيم).
أجل… لقد تثاقلت قدماه فلقد أنهكتها تعرجات الطريق وشدة المنحدرات و المنعطفات، لقد تعبت من تسلق القمم والسياحة في مساحات شاسعة، و أيُّ جسدٍ لا يتعب مع حلم كبير في روح محلقة كروحه ؟؟!!… لكن هذا التثاقل ما تعدى قدماه وجوارحه أما قلبه فما انفك ينبض فكراً وحباً وعطاءً…
أتُراها تغفل الأم عن أطفالها؟… أم هل يمكن أن تنسى الطيور طريق الإياب إلى أوكارها؟… أيمكن أن تضل السحاب طريقها الذي أُزجيت فيه لتسقي أرضاً اشتاقت لها؟؟؟ لا يمكن أن يحصل أياً من ذلك…
كذلك هو نهرنا صاحب الأماني والأحلام الراشدة… لا يمكن أن يضل عن طريق أمانيه التي نذر لها عمره ولا أن يبيع أشواقه التي سفح لها البذل والدعوات والدموع في كل آن ووقت…
تحقيق رسالته هو حلمه الذي مابرح ينحت في قلبه ألماً كلما تأخر في انجازه…،
كيف لا؟؟؟ وهو مؤمنٌ أن كل الكون يحتاج أن ينجز مهمته ليصبح هذا العالم مكاناً أفضل للعيش…،
كيف لا؟؟؟ و أشواقه كل يوم تُذكي عواطفه وتحمله بعيداً عن دنيا البشر إلى عالم الإحسان العلوي…
كسيراً… مقعداً… مريضاً… حزيناً… فقيراً… مغلوباً…
كيف ما كان يظل ماضياً إلى ما عقد عليه العزم هناك في مكان وزمان لم يشاركه فيه أحد إلا نور الضمير…
و إن كان هناك لم يشاركه أحد فلما يطالبه الآن الآخرون بأن يشاركوه؟؟!! مهما كانت دعواهم إلا إن يكونوا مرشدين أفذاذاً على الطريق فلا بأس بشراكتهم… وبشروطه العادلة.
كم هو عجيب ذلك الحلم الراشد… إنه عالم متكامل يلف صاحبه بكل ما في قلبه من الصدق له… يتمركز في بؤرة كيانه وتفكيره فيطرد كل الوساوس والترهات… يحضه دوماً للعطاء بكرم دون استكثار… يحمله إلى دنيا المستقبل البعيد بوعي كما يثبت أقدامه في دنيا الواقع العملي…
الحلم إذا بلغ رشده و استوى… آنس صاحبه فلا يهاب كل تلك الخلوات الموحشات التي تنسجها وحدةُ السبق و الإبداع… تلك الوحدة التي لابد أن يعاني منها كل من ارتقت به خطواته قبل غيره.
صاحب الحلم قويٌ ومغامرٌ متوكل فهو يعلم أن أحلامنا هي ألغاز أعمارنا العصية على الحل… مخيفة لكنها جميلة… قد تحملنا إلى سجوننا القديمة لنفتحها… أو تحملنا إلى آفاق مجهولة النهايات لنستكشفها… لكنها مع كل ذلك أحلامنا التي نعتز بها كجزءٍ غالٍ من ذواتنا.
هو يدرك كل ذلك فأصبح لا يكترث بثقل ضرائب حلمه ولا بمقدار ما أخذ وسيأخذ من تضحياته… لا يكترث بما سقاه من ثمن بقدر ما يهمه أن تظل رؤيته واضحة في كل المنعطفات وأن يظل مؤشر إخلاصه متجهاً دوماً وأبداً للسماء… إلى ربه الذي أحبه وكانت رسالته في ذاك الحب…
تعاظم إخلاصه وصدقه لحلمه فأصبح صمته طويل كله فكر… فصمته أحب إليه من كل ضجيج المدائح وقصائد الحب من الآخرين… فتراه يتناءى عن لهوهم ولغوهم إلا بما يتطلبه تحقيق حلمه ومشروعه؛ فحبه وتفاعله وكلامه وكل دماثة أخلاقه وحلو معشره النادر كلها في مصب رسالته…
صاحب الحلم شخص قوي بروحه فمن هناك تنبع الآمال…
كم يصبح المرء مستحيل الإقصاء أو الإنهاء أو حتى الانحراف إن أشرقت روحه بنور الإيمان لربٍ كريمٍ أحبه…
نعم فالتمحيص سنةٌ لا مفر منها، لكنه صاحب هدف حقيقي ولهذا تراه لا يكره أبداً سوء فهم الآخرين له أو حتى سوء تقديرهم له و لأعماله… لأنه ببساطة لا يقصدهم بها فهو لا يزال يناضل ويراجع ويصحح ويستمر فمن يجهد له موجود… يرى ويسمع ويقبل ويؤجر… ولهذا فإنه يمتاز بالاستمرارية الجبارة التي تبدو معجزة للآخرين.
دوماً هو (صاحب الحسابات الخاصة) التي لا تغيرها الوعود البراقة ولا التهديدات الثقيلة… إن له طريقه الذي وجد نفسه فيه وعرف اللذة والعهد فيه فلما يغيره… مهما كان الثمن….؟؟!!
عيناه متألقتان دوماً حتى وإن كان متعباً أو حزيناً، ابتسامته راضية وموجودة حتى في أحلك الظروف فهي لمن حوله مرآة الرضا والحب… ملامحه رزينة معبرة… فصيحة التعبير قد يستعيض بها عن لسانه الذي لا يقل عنها فصاحة… لهدفه ولهدفه فقط.
فلسانه يصعب استفزازه خاصة فيما يخص حلمه و ألمه في سبيله… فالبوح في عالم الأسرار المخلَصة يُذهب حلاوتها وجمالها للأبد… ولهذا تجده هادئ النفس بلا ردود عند مدحه أو ذمه فإنه في حال يعرف فيه حجم نفسه…
ولكم يغضب كيانه السموح كلما لمح من الآخرين اهتماماً زائداً بشخصه أكثر من هدفه ومشروعه… فبالنسبة له فهو أغنى ما يكون عن العالمين بفقره لربه فقط أما مشروعه فهو المستحق للاهتمام والتدقيق والبذل…
بعد كل هذا إياك أن تظنه غير البشر… لا.. إنه بشر يضعف ويرق وقد يبكي لكن دموعه ليست دموع انتهاء أو استسلام أبداً… فأصحاب الرسالات لا يستسلمون… إنها دموع استمطارٍ للعون الإلهي… فقرٌ فيه قمة الاستغناء… وضعفٌ هو مفتاح كل قوة…
إنها دموع العزم على المزيد، واستنهاض النفس المتقلبة للمتابعة بكل صرامة على الرغم من كل لهيب الجمرة… جمرة التمكين والاستخلاف التي لا يزال قابضاً عليها بكل قوته مهما أحرقته؛ فتلك وصية حبيبه ومرشده المصطفى… ثم احذر فلعله تعمّد أن يُريك دموعه التي يحرص على إخفائها فقط ليعلمك درساً مهماً فتنبه لدرسه الحكيم… لعله أراد أن يخبرك بهمه الأكبر في أن ينتهي الأجل ولا يجد من يكمل له حلمه الذي أوشك على الإثمار…
لعله أرادك أن تكمل الطريق فلا أقسى عليه من ترك أشواق أمانيه دون تحقيق مع أنه راضٍ عن قضاء ربه…
لقد أحببت هذا الرائع صاحب الرسالة والحلم الصادق أليس كذلك؟؟؟
لقد اجتهدنا في وصفه لك وحين تراه ستعرف أن الخُبر أعظم من الخبر…
تتوق لرؤيته والتمتع بصحبته ..أليس كذلك ؟؟!
إنه ليس بعيداً عنك… إنه هناك في أعماقك… أنت.. أيا نهرنا الهادر! … فلقد كان وصفك أنت وليس غيرك… صحيح مازلت تحتاج لشيء من النضج لتصل إلى هذه الصورة المتكاملة، لكن كل بذورها وعناوينها موجودة بداخلك.. إننا نراها بوضوح في جهادك وعثراتك وحماسة أسئلتك وحديثك… نراها في عينيك وصمتك وترقرق دموعك واحمرار صفحة وجهك عند الحديث عن ما ستكون…
قليلاً بعد وستصبح هذا الرائع المنشود… فلا تتوانى أن تكونه… رعاك الله.
مازلتُ أبحث في وجوه الناسِ عن بعض الرجال عن عصبةٍ يقفون في الأزمات كالشم الجبـال فإذا تكلمت الشفاه سمعت ميزان المقـــال وإذا تحركت الرجال رأيت أفعال الرجــال أما إذا سكتوا فأنظارٌ لها وقع النبــــال يسعون جهدا للعلا بل دوما نحو الكمــال يصلون للغايات لو كانت على بعد المحــال ويحققون مفاخرٍ كانت خيالاً في خيـــال هممٌ لهم تسمو إذا مارا مها نجم الشمــال أفكارهم خططٌ تقود الكل نحو الاعتــدال لا يشتهون الدون أو أحوال أشباه الرجـال بل يشتهون الخوض في حرب مداولة السجال يتعشقون الفوز في أوساط ساحات النضـــال ويرون أن الحر عبدٌ إن توجه للضـــلال من لي بفردِِ منهم ثقةٍ ومحمودِ الخصـــال من لي به يا قومي إن همومي وجداني ثقـال سيطول بحثي إن سُؤلي نادرٌ صعب المنــال فمن الذي تحوي معاً أوصافه هذي الخصال لكن عذري أن في الدنيا قليلاً من رجــال