“ما كان عليّ أن أتوقف عن الكتابة فلقد كانت مُنقذتي وموهبتي الخاصة للنجاة، الكتابة كانت وستظل هي سبيلي الوحيد للتخلص من هذا الحصار البغيض في خطي الزمكاني الذي يستنزف كل قدرتي على التحمل والثبات…”
هكذا أُحدث نفسي من وقتٍ لآخر كلما شعرت بالغُصص تخنقني وكأنها سكرات الاحتضار تعذبني قبل الموت، فالمرء منا لا يُمكنه أن يهزم جحافل محنه وأقداره في زمانه وعصره، تلك الجحافل التي تتابع لتسحقه بلا هوادة، يمكنه أن يُقاوم ويُؤثر عكسيًا ويحاول إيجاد شيء من فرق في المعادلات المعقدة للأحداث، إنما لا يمكنه هزيمة الإطار الكبير الذي صنعته الإرادة الجمعية لبني عصره لو أرادوا التفاهة والشرور، لا يُمكنه أن يغلب الخُطة المُحكمة لمعادلات الزمن وتفاعلات السنن والقوانين الموزونة بدقة لا محدودة..
كل ذلك يجعلك لا تعدو كونك عامل مُؤثر ضئيل الأثر مقارنةً بقوى أكبر تمانع أحلامك وأمانيك وجهودك مهما كانت مُثابرة، هل هو ما نُسميه النصيب أو القسمة تلك التي يقف البشر أمامها محدودي القوة وعاجزي الفعالية؟؟ ربما وربما هي امتحانك الذي يتوجب عليك إظهار كل بسالتك وصبرك فيه مهما كان المصير الذي ستنتهي إليه..
على كل حال.. من الحكمة أن يُسلّم الانسان بهذا التفوق المنطقي للقوى الكونية والمكونات المتعددة للحياة فأوهام السيطرة والقوة المطلقة للفعل البشري مجرد أُمنيات خرافية لا وجود لها إلا على نحو نسبي جدًا ومرتبط بمعادلات فلكية الأبعاد لا يمكننا كبشر الإحاطة الكاملة بها وبمفاتيحها..
حين تنضج كفاية لتتصالح مع كل ذلك تُدرك أن حصارك حتمي خاصةً حين تكون من أولئك الذين وُلدوا لغير عصرهم، حين تكون هبة ولعنة حياتك – في آنٍ واحد – اختلافك العميق عن معاصريك ومن في جيلك، ومهما حاولت أن تندمج – كما يطالبونك بإلحاح – تدفعك القوة الطاردة لقلبك بعيدًا عن كل ما ينتمي لعصرك الغارق في مآسي وكوارث تعلم جيدًا كيف يمكن التخلص منها فأنت السابق بالفهم والإدراك ولا تعاني ضبابية المغالطات ولم يتشوش فؤادك بالأطماع ولا بالمخاوف.
نعم مازلتَ بشريًا تُؤرقك همومك اليومية وتضغطك كل متطلبات العيش.. يُحزنك فراق من أحببتهم وتحتاج بشدة لمساندة من خذلوك، مازلتَ بشريًا مسكينًا تعاني مما يعاني منه كل البشر لكنك تقف على قمة إدراكك للأمور تنظر للسفوح في آسى مُثقَلًا بهموم قضايا أعمق وأسمى من المعتاد..
لا يكفون عن اتهامك بالمثالية ويضغطون بكل قسوة لتصبح عاديًا مثلهم يعيش اللهاث اليومي والتنافس الصبياني وشريعة الغاب.
أحيانًا تضعف فتُناشد نفسك المُتعَالية عن ذلك العادي قائلًاً: “دعينا نُصبح ضمن القطيع لعل الألم يخف قليلًا.. دعينا نمضي كما مضوا” تُحاول بذلك أن تُنهي هذه المعركة الدامية بينك وبين وحدتك القاسية بين أهلك ومعاصريك، تُحاول لكنك دومًاً تظل أنت المهزوم أمام قلبك الصلد الذي لا يقبل النحت أو الذوبان أو الاستحواذ.. مهما كانت المغريات أو العواقب..
قلبك الذي تربى في محراب عهودك للحق الواحد الذي تؤمن به، قلبك الذي يقطر بالإنسانية والمُزدهر بالإخبات لواجباته الروحية والفكرية.. ذاك قلب لا يمكنك هزيمته مهما تعاظمت إصاباته في معاركه الطاحنة..
هاهنا لن يكون معك إلا الكتابة لتُرسل روحك ووعيك إلى عصور قادمة مُتحَررًا من سجن مكانك الجغرافي والزمني، سجنك الذي تحول الأقربون فيه إلى أعتى سجانيك ورفاقك إلى أكثر من يُحكم الخناق حول عنقك..
تكتب لتتنفس..
تكتب لتموت حين تموت سعيدًا بإعلانك لحقيقتك التي يجهدون لدفنها، تكتب لتمرر القنديل لمن بعدك من غرباء يشبهونك نبذتهم أزمنتهم مثلك لعل شعاع الضوء يستمر، تكتب ليتسلل النسيم إلى مساحاتك المحبوسة في انضباطك الناضج للعيش، تكتب لتُعوض عمرك الذي صار حسرة حين لم يكن في أقصى ما تؤمن، تكتب لتنتقم من كونك البشري الضئيل المهزوم أمام قوى أكبر منه تتحكم بالكثير غصبًا عنه، تكتب لتنتصر على من ظلموك واضطهدوك وخذلوك فقط لأنك مختلف..
تكتب لتجد في أسطرك كيانًا يُشبهك ويُؤنسك في الأوقات الصعبة التي تُعانيها على نحو لا ينتهي، تكتب لتخبرهم بتحدٍ أسطوري “فستذكرون ما أقول لكم وأفوّض أمري إلى الله “..
تكتب لتُقص للمعتوهين القادمين في المستقبل قصص ما فعله المعتوهين المعاصرين مُؤكدًا لهم أن البشرية تستمر في معاناتها ليس لأن التاريخ يُعيد نفسه؛ بل لأن الغباء البشري الذي لا حدود له هو من يُعيد نفسه.. تؤكد لهم أن إعادة نفس الأخطاء لن تؤدي لنتائج مختلفة مهما كان عصرك وعرقك..
تكتب لتمنح نفسك خيار الخلود لعل اللطف الجميل يحفظ وصاياك حتى نهاية البشرية، تكتب لتتمرد على الأنظمة القمعية والسلطات العنصرية التي تسحق إنسانيتك وكرامتك يومًا بعد يوم.. تحاربهم ولو بالكلمة، تكتب ليبتسم أحدهم بين أسطرك وهو يغمغم “هذه الكلمات لي أنا ” فتُشرق روحه فهو لم يعد وحيدًا نشازًا..
تكتب لتداوي جراحات المُربي في قلبك المُنهك المُحب فمن غرست فيهم لم يكونوا الأوفياء كما رجوتَ لذا تكتب وتكتب وتكتب لعل شخصًا ما هناك يلتقط هذا الذي لم يتم تقديره هنا، تكتب لتتمسك بجوهرك الحقيقي الذي يتآكل في كل لحظةٍ خلال صراعاتك الشرسة للتوازن بين ما يجب في إيمانك وما تريد في فكرك وما تتمنى في أحلامك وما تفرضه معيشتك، تكتب لتُهدي أحدهم بوابة خفية ليشاركك وجدانك المتوهج.. ربما يعوضك ذلك عن عجزك في تخطي المسافات والحواجز اللعينة بينك وبين الآخرين طوال حياتك الموحشة..
تكتب لعل كلماتك تبني وطنًا أفضل من الذي فشلت في حمايته من الطغاة والحمقى، تكتب لربما ولعل وعسى أن تُجمل في اعتذارك للسماء عما فعله أهل الأرض من قبائح.. لعلك تُمنَح شرف القبول ورحمة المآل..
أتساءل مُجددًا لماذا توقفتُ عن الكتابة لسنين طويلة رغم غزارة ما يُمليه عقلي عليّ؟!
الكثير من الأعذار تقفز أمامي تُدافع عن قراري حينها لكن شيئًا من الشفافية الشجاعة تدفعني للاعتراف أني أردتُ الهروب من نفسي المُحطَمة تحت أطنان من إنهاكي وأحزاني وهزائمي, أردتُ أن أتلاشى.. أن يخفت توهج نجمي وأختفي في الظلام, أردتُ أن ينقرض وجودي العاجز التعيس.. صدقني هكذا ستُريد عندما تحتضر معاني الحياة الكريمة داخلك..
الكتابة تجعلني في مواجهة قاسية مع جوهري الحقيقي بكل تبعاته وهذا كان ومازال مُوجَعًا جدًا على نحو لا يُطاق، لذا تمنيتُ لو أني نجحتُ في مسعاي البائس لكن شيءٌ ما في قلبي أقوى من كل محاولاتي الحمقاء تلك..
حين تفشل في الموت مثلي عليك أن تحيا باستبسال.. عليك أن تتنفس بملكاتك ومواهبك وتكتب بطريقتك الخاصة كيفما كانت، أنا سأكتب بقلبي كما كنتُ وكما سأبقى فهو الجميل الأقوى مني على كل حال..
وحين تقرأ ما سأكتب ستجد أنها ليست مجرد كلمات بل هو قلبي ينزف نُورًا ويُرتل عهوده التي لم يحنث بها ولا لحظة واحدة.. قلبي الذي يرجو أن تسعد وتصمد حتى تنتصر..