هي رحمة يا عائشة

يا أمي: العبرة تخنقني أغلب الوقت …دموعي صارت أقرب لي من أنفاسي المتحشرجة …و البكاء بحرقة يغلبني كثيراً أمام الأخبار أو بقراءة أسطر عابرة أو بسماع شكوى مستفيضة…أو حتى حين يسألني أحدهم عن حالي …

لا أدري ما الذي يحصل ؟؟

هل عدت لحالتي المرهفة التي كافحتُ طويلاً للانعتاق منها ؟؟

هل صحوتُ من حالة تبلد كادت تبتلعني منذ أمدٍ طويل ؟؟

أم أني لا هذا و لا ذاك… إنما أعاني من فيضان عاطفي أمام عالم يؤلمني جداً الاستمرار فيه ؟؟

هل أنا أتكسر أم أرسخ عميقاً ؟؟

أخبريني يا ريحانتي هل أنا ذلك الأسيف و على ما يرام أم صرت على الحافة …؟؟

وحدك تستطيعين إجابتي لأنك لن تغرقي في التنظيرات و لا المثاليات و لا المجاملات …فأنت ببساطة أحببتني كما أنا كيفما كانت أنا هذه …

أتذكر بوضوح أنك كنتِ هكذا …و لطالما تعجبتُ منذ طفولتي لدموعك القريبة في عدة مواقف رغم أنك المرأة الصلبة و القوية التي عركتها كل صنوف العذابات منذ الطفولة المبكرة ..

كنت أتساءل لماذا تتأثرين من أخبار نراها تتكرر منذ نصف قرن ..أخبار غرباء، و لماذا يهزك صوت الأذان و دعاء الجمعة رغم أنه صار روتين، و لماذا تتفاعلين مع كل قصة تُحكى لك رغم أنها لا شيء أمام تاريخك التراجيدي ؟؟!!!

لم أكن أجد إجابة في عقلي الصغير فكنتُ انخرط مع أخوتي في الضحك و المشاغبة و إلقاء النكات على أنفك الذي يتحول للحمرة القانية ، كنتِ تصبحين أجمل بتلك الحمرة التي يتشرب بها وجهك و لكننا كنا نعبر عن إعجابنا بجمالك الأخاذ بحماقة الصغار …

كبرتُ و مازلتُ أتساءل حتى دفعني بقية عقلي الراشد لسؤالك مباشرة فصدمتني إجابتك البسيطة : “هي رحمة يا عائشة ..فالألم يظل ألم مهما تكرر و مهما بدا أنه مألوف “

الأن أفهم أنك كنتي نبوية الاتجاه في هذا الجانب ..رحيمة و مدركة لتألم الطرف الأخر …فالألم مهما تكرر يجب أن لا يصبح اعتيادياً أبداً…

و كلما تقدم الإنسان في الرشد يصبح قادراً على إدراك أبعاد كل موقف و درجات كل الوجع في المشهد مهما كان المشهد بعيداً أو سريعاً …

هل أنا أتحول إليك .. أو أصبح مثلك أم ماذا ؟؟

لا أدري يا ريحانتي …لكني أشعر أني أدرك ما لم افهمه سابقاً…أتذوقه…أعيشه بكياني كله …و أرجو أن هذا يكفي لأصمد كإنسان أكثر …

دمتي بقلبي …

EkE9XaRXYAA1p4L