فن الممكن

يا له من سلبٍ هائل يضرب أطنابه حولك، تجده أحياناً كثيرة يكاد يخنقك بالآمه وضيقه … أحياناً كثيرة تشعر أن لا فائدة من أفعالك، ولا أثر لحياتك، ولا معنــى لإنجازاتك … ووسط الضجيج الصاخب لكل تلك الفتن والمصاعب لا صدى أبداً لصوتك المبحوح مهما علا… أسطرك لن تُقرأ، وأفكارك لن يُعمل بها، وأحلامك أوهام لا تٌقدَّر.. وجهودك كلها سُدى حتى كلمة الشكر لن تجدها.

الكوارث تزداد يوماً بعد يوم وكأن العالم يسدل الستار عن آخر فصول الحياة، ومعظم من حولك فقد الأمل … إنهم على شاكلتك متعبون وحائرون … تفيض روحك بأساها… فحتى روحك ما عادت تسمو كما كانت بل أخلدت إلى قيودها وأثقالها الأرضية. كثيراً ما يتردد في رأسك هدير صاخب (لا فائدة … لا فائدة) قد تجرؤ على قولها علناً كغيرك وقد تتمتم بها سراً… لا فرق… ففي كل الأحوال فإن أعمالك الباردة وحماسك الضائع وخطواتك المتثاقلة… كلها تشتكي بأنك ما عدت ترى ما يمكنك فعله… وما عاد هناك ماينفعنا فعله.

مهلاًً مهلاً دعنا نتوقف قليلاً، والآن هون عليك … فالكثير سارت به المتوالية الحزينة إلى هذا الخط المسدود، فمنهم من استسلم وانطفأت قناديل روحه في أعماقه وصار يدفع الحياة دفعاً وهو مازال في ريعان العمر … ومنهم من غرق في أوهام وأحلام ومفاسد مخزية متعللاً أن لا فائدة من الأمل والعمل … والبعض اختار جنوناً يبعده عن ثقل مسؤولياته والتزاماته.

و كلهم كلهم أوقف دفة الحياة الدفاقة في داخله ومن حوله واستسلم … مهما حاول التظاهر بعكس ذلك فإن بصمات الآثار تفضح الأرواح.

أما أنت فلا أظنك هكذا … إنك مختلف … فهيا تعلم سراً عجيباً يقلب كل هذا الأسى إلى نور وحياة…

نعم قد لا نستطيع تغيير سنن الكون من حولنا ولا ما يجري علينا، ولكننا بالطبع نستطيع تغيير طريقة تعاملنا معها … نستطيع تغيير طريقة تلمسنا لها.

إننا لابد عائشون وماضون في درب حياتنا … إذن لماذا لا نعيش حياتنا بكل أبعادها بقدر ما نستطيع؟ … إليك هذا الفن الرائع … فن الحياة … فن المضاء والاستمتاع رغم الألم …إنه فن الممكن.

حين تدرك أم العصفور الصغير أن ابنها قد سقط من العش العالي وأنه على وشك الارتطام بالأرض … وأن الموت المؤكد ينتظره … وهي للأسف عاجزة تماماً عن التقاطه … فإن عقلها الحكيم وقلبها الرؤوم وإلهامها الرباني يقودونها إلى الاستبسال؛ فتترك اللاممكن في أجزاء من الثانية  وتسارع إلى الممكن فتحلق إلى جوار صغيرها بأسرع ما تستطيع وهي تشجعه بصرخات خاصة وتحرك جناحيها أمامه بقوة مُشجعةً إياه على الطيران المبكر وتلتف حولها بقية العصافير وتقلدها لتصنع من حول الصغير صخباً صارماً يدفعه لتحريك جناحية الصغيرين … ويستجيب الصغير ويضرب بجناحيه بقوة البقاء … وعزم الأمل … “يحدوه لسان حال أمه يهتف: هيا بُنيّ تشجع واصنع من سقوطك فرصة نادرة للطيران المبكر” وتنجح العملية ويطير الصغير بمقدار ما يخفف من قوة الصدمة … إنه لا يستطيع الطيران عالياً أو طويلاً ولكنه نجا من الموت وستحرسه أمه حتى يقوى عزمه ثانية ويطير عائداً إلى عشه … لقد كانت مرارة سقوطه هي نفسها سلم صعوده إلى قمة طيرانه المبكر قبل أقرانه.

نحن لا نجيد النظر إلى زاوية الممكن بل نهلك أرواحنا في التركيز على اللاممكن فتموت آمالنا وأحلامنا وتنطفئ جذوة تفاؤلنا.

بينما تحتال النباتات الصغيرة مستبسلة لتنجو من هجوم الحشرات الضارة تجدنا مستسلمين لأحزاننا ومخاوفنا … ليس من الممكن أن تمنع النباتات الحشرات من الهجوم عليها والتغذي بها … ولكن الممكن أن تقاتل النبتة عن نفسها بشراسة فتجد أن خلايا النباتات قد طورت مركبات خاصة ذات طابع سام يقتل كل من يأكل منها وهذا يضمن لها الحماية من الحشرات التي تبتعد فوراً عنها حالما تكتشف أثار السم…

وترد الحشرات الصفعة بغريزة البقاء عندها فتطور مناعة داخلية في خلاياها ضد تلك السموم وما إن تبدأ في التغذي على هذه النباتات حتى تعود النباتات وبعناد إلى تطوير أنواع أخرى من السم تضمن لها فترة أخرى من الحماية … وهكذا تستمر الحرب في عزم وصمت.

مهما كانت أوضاعك … فلن تكون أسوأ من الصبار الذي يجد نفسه وحيداً في صحراء قاحلة قاسية ليس فيها عرق الحياة وأصلها … (الماء)… لكن الصبار يدرك أنه إذا كان لا يمكنه أن يجلب الماء إليه فإنه من الممكن أن يحتفظ بالماء الموجود فيه ومن حوله، وبالكثير من الحيل يفعل الصبار ذلك فيمد شعيرات جذوره إلى مسافات بعيدة ليسحب أي قطرة رطوبة في التربة … وتتقلص أوراقه حتى تصير أشواكاً صغيرة المساحة تحميه من الدخلاء …  ولحجمها المتقلص تقل عملية النتح إلى 70% بانتظار المطر الأمل، أما سيقانه فتغلظ وتتمدد حتى تحتفظ بكل تلك الليترات من الماء في داخلها … ويظل الصبار لمدة  10 أو 15 أو20 سنة أو تزيد يكابد في  عناد ليعلن عزم البقاء على رغم كل شيء … لعلك تستعجب … زد عجباً حين تعلم أن نبات البلانكا وهو شجر عادي ينمو بطول النباتات العادية …لكن حين يجد نفسه يانعاً صغيراً على سفوح جبال الألب الشاهقة الارتفاع حيث تقسو الظروف حين ذلك، فيقل الأوكسجين في ذلك الارتفاع وتنخفض درجة الحرارة وتقل نسبة الماء من حوله … يتصرف النبات بشكل عجيب ورائع.

إنه يدرك أن قدر الله عليه أن يكون هناك وليس في الإمكان أن يغادر مكانه، ولكن الممكن أن يتأقلم مع محيطه القاسي فيتقلص ويتقلص وبالتالي يقلل من احتياجاته من الماء والهواء والضوء … ويظل يتقشف ويتقشف حتى يصل طوله بعد مائة عام من النمو المستمر إلى شجرة بالغة ولكن طولها لا يتجاوز طول ظفر إبهام اليد.              عجيب! لكن الأعجب أن تستبسل كل هذه الكائنات الضعيفة في نقش أثارها المفعمة بالحياة والعزم وأن تستسلم أنت لما حولك وما في داخلك، فتضرب رأسك في ألف حائط من اليأس …

ولولا أن أطيل لسردتُ لك أعاجيب وغرائب من أحوال هذه الكائنات الرائعة التي أودع الله فيها ما يحب من العزم والقوة والأمل. لن تجد أحدها أبداً يعاني الاكتئاب أو الانطواء مهما حدث من صعوبات، بل تحاول وتحاول حتى النهاية.

هيا فكر … أنت مسلم و فيك من روح الله القدسية … لابد أنه أعطاك ما يميزك … لابد أن معك موهبة متميزة هي الممكن لك … أرجوك لا تبخسها حقها فتظلم نفسك وتبطر نعمة ربك … لا تضيعها وأنت تلهث بحماقة وراء اللاممكن والمستحيلات … و(لو) تفتح عمل الشيطان، واليأس داء الكافرين، والحياة رائعة بعدل ربنا ورحمته.

ستفعلها، فهذا تشرشل أصبح خطيباً وهو الثغ، وهيلين كلير فازت بجائزة نوبل وأثرت في الحياة بعمق؛ لأنها اعتبرت عماها وصممها وعجزها عن الكلام نعمة رائعة جعلتها تعيش في هدوء تام سمح لروحها بسماع همس الكون بشفافية وعمق … وتوماس أديسون يُطرد من المدرسة ليكون العبقري اللامع في القرن العشرين … والرافعي أب الأدب وهو أصم و..و..و..و..

كثيرون هم من صنعوا من نقصهم تفوقاً متميزاً … كن طموحاً، واستعمل المتاح للوصول عن قريب أو بعيد إلى اللامتاح … أتقن فن الممكن، فبدونه لا يمكنك أن تتألق وتصلح في أرض تموج بمن يفسد فيها، واعلم أن الهداية والريادة وعد حق أكيد للمجتهدين والمجاهدين المحسنين … كن منهم … وابدأ الآن.

فن الممكن