السعي الذي لا ينتهي

على ما يبدو.. 

الموت سهل.. عليك فقط أن تتوقف وتغادر، أما الحياة فصعبة بل غاية في الصعوبة وكما قيل فالذين ماتوا قد نجوا من الحياة بطريقةٍ ما..

كل لحظة في الحياة تعني أن تكافح لخيارٍ ما.. عليك اتخاذه شئت أم أبيت، إذا لم تختر ستُجبر على اختيار منعطف ما أو زقاق ما، في النهاية ستذهب في دربٍ ما كخيار..

في نفس الوقت كل لحظة بالحياة هي فاتورة تدفعها لخياراتك التي تراكمت تبعاتها على نحو مضاعف، ومهما كانت نواياك طيبة أو ساذجة أو حتى مجتهدة فهناك احتمال أن تدفع ثمناً غالياً غير متوقع، فالأمر ليس مسألة رياضيات سهلة يمكن ضبطها بالآلة الحاسبة..

لا يهم أن تكون راغباً بالخير فقد تدفعك التداعيات إلى مكانٍ غير متوقع فكما قيل “جهنم مفروشة بأصحاب النوايا الحسنة”، الحياة تستلزم منا الكثير  الكثير.. لذا الموت يبدو سهلاً أما الحياة فصعبة.. إنها الهبة الغالية لنا وامتحاننا العسير هاهنا..

إن تمييز طريقك في حياتك ليس بالمتاح اليسير فالتحدي معقد في كل الاتجاهات، هنا تتذكر قول الحكيم الذي أخبرنا “أن الحكمة لا تعني أن تعرف الخير من الشر، بل أن تدرك خير الخيرين وتميز شر الشرين”، فالحياة لا تمتلك تلك الفواصل الواضحة لعالمي الخير والشر كما قد توحي لك القصص والحكايات الأسطورية، في الواقع هي خليط من هذا وذاك، ونادراً ما قد يُكرمك القدر بالفاصل الواضح بين ما هو صح وما هو خطأ..

هذا التجسيد المُعجز للسنة الكونية القاهرة التي تحمل الازدواجية بين النور والظلام، الخير والشر، النفع والضرر في نفس الوقت ونفس الحدث ونفس الشخص ونفس الفكرة، هذه الازدواجية تجعل امتحاننا أصعب مما هو عسير في الأصل، فالطرف الذي تعتقده والغاً في الشر حتى النخاع ستجد شيئًا من النفع والخير مختلطاً فيه، والطرف الذي قد يبدو لك مُجنَحاً بالخير والأنوار سيظهر لك مع الوقت أنه لا يخلو من شر مستطير..

والجيوش التي يُخيل إليك أنها صفوف من ملائكة بشرية قد تكون في درب يقوده شياطين لا مثيل لهم في الشر والأذى لك ولكل ما تؤمن به.. بلا شك ستأكلك الحيرة حتى النخاع لتقرر موقفك من كل ذلك..

فعلى سبيل المثال التقدم الطبي الذي أنقذ المليارات قد تم إنجازه بتجارب بشعة لاإنسانية على البشر أنفسهم والحروب التي قتلت المليارات على مدى التاريخ كان وراءها أشخاص اعتبروا أنفسهم أخيار ثائرين ضد ما آمنوا أنه شر يجب إيقافه..

الحيرة مغمسة بالعجز والخوف هي كل ما ستعايشه في ظل الحقيقة النسبية لهذا الوجود، النسبية التي تُدخلك في معادلات لا تنتهي بين الخير النسبي والشر النسبي في كل خيار وكل طرف وكل انعطافه بالطريق..

لا وجود للقطعيات غالباً في حياتنا إلا ما يُعتبر ديناميكيات كبرى للخليقة أو ما تعتبره أنت قطعياً وتُلزم نفسك به، وغير ذلك يخضع الكل للنسبية وازدواجية التكوين والأداء.. 

في خضم تلك الأخيرة عليك أن تحذر مما تعتبره قطعياً، فالاعتناق الأعمى المتطرف للأمور قد يدفعك لاتخاذ قرارات جامدة صيّرتها أنت قالباً مقدساً لا تقبل النقاش حوله، للأسف أنك تعتبر نفسك راسخ وثابت بينما أنت مجرد متصلب ومتعصب، فالمرونة هي أعلى مقامات النجاة والحكمة والإدراك العالي، المرونة التي تعني النظر الموضوعي بكل التفاصيل من وقت لآخر، عليك الحذر مما تعتبره شيطان وما تعتبره ملاك فهذا سيدفعك لخيارات مرعبة شهدها التاريخ من بشر اعتنقوا أيدولوجيات متطرفة..

فالأمور ليست بهذه السهولة لتفصلها إنما هي ترجيحات ومعادلات ولذا عليك أن تتوسط فلا تبالغ ولا تقطع خط الرجعة على نفسك إلا ما تعتقد أنك هكذا تريده لنفسك وستتحمل تبعاته مهما كان أقل صحة من غيره من الخيارات، من هنا تفهم أن القرار الصواب لك هو ما تستطيع التعايش مع تبعاته مهما كانت.. 

إن التسليم بهذه الحقيقة هو قلب السعة التي تصنع الإنسان المرن المتعايش مع الاختلافات والمتغيرات والمتشابهات والمتناقضات والإخفاقات أيضاً…

ثق أن شريك حياتك ليس مثالي إنه من هنا وهناك؛ لذا حين تكره شيء منه عليك أن تفكر بما يعجبك فيه وكم تحتاجه منه وتتعايش مع ذلك..

نفسك لن تكون قطعة من نورٍ خالصٍ مهما فعلت ومهما حرصت لكن لو فكرت قليلاً باعتدال ستجد أن تلك العيوب التي تزعجك بشدة هي نفسها منطلقات القوة والإبهار التي تحتاج منك ترشيد ومتابعة.. إنها عيوب لأنها فقط دوافع قوية ولم تجد الترشيد المناسب لجعلها مفيدة لك فانحرفت عن مسارها..

الأسرة التي عذبتك بالدراما اللامنتهية تعني أنك تنتمي لمكان حقيقي وهذا المكان عزيز عليك يؤلمك تدهوره، أن تكون الأسرة مهمة لك يعني أنك إنسان راشد كفاية لتتدبر أمرك وتكون أسرتك الخاصة بك التي ستتجاوز فيها ما حدث لأسرتك الكبيرة ..

الوطن الذي ضاق عليك بسبب تصنيفاتك لمن يشاركونك فيه سيظل وطن الجميع شئت أم أبيت وكل ما عليك أمام الصراعات المتعصبة فيه أن تلتزم بالتوافقية، تقبل اختلافهم عنك وادفع طغيانهم بالقوة المناسبة دون اقصاء حاقد فلا يمكنك تصفية طرف.. فقط لأنه لا يروق لك.. لا يمكنك ولا يصح لك..

تقبل حقيقة أنك لا تروق للفصيل المكروه منك والأصل أن تتعايشوا على المشترك الأدنى وليس المشترك الأعلى فهذه مثالية لا وجود لها، فالوطن واسع كفاية ليحتوي الثراء والاختلافات لكنه لن يستمر كوطن وسيتحول لجحيم مستعر وارضٍ محروقة حين يبدأ الجميع بقتل الجميع وشيطنته واقصاءه..

من جهةٍ أخرى سيُدهشك أن ما استعصى عليك هو نفسه ما سيدربك على أمور جديدة ومميزة في وجودك القصير فالتحديات التي أتعبتك هي بالفعل تعني مستويات جديدة في اللعبة.. ستصبح الخبير الحكيم..

وبقليل من التأمل الهادئ ستجد أن من كسر قلبك وتركك قد أفسح مساحة لمن أحبك وتقبلك، أنت تعاني بقسوة لأنك تعاملت مع التالي بوجع السابق فلم تسمح لنفسك بالتمتع بالعوض الجميل في ما بين يديك الآن، في الحقيقة أن من تركك قد أخبرك بالفعل عن نقاط ضعفك التي تحولت إلى نقاط عزيزة في علاقتك مع ذلك الذي أحبك وتقبلك ..

نحن لا نعرف قيمة النصر إلا بالهزيمة ولا ندرك قيمة ما كسبناه إلا عندما نعاني الخسارة، لذا كُف عن محاولاتك المشدودة الصبيانية لجعل الأمور على مزاجك، فنحن لم نخلق الحياة ولا سيطرة لنا على مجرياتها إلا على نحو ضئيل يشبه محاولات قارب صغير إيجاد طريقه في نهر هادر شديد المنحدرات..

توسط في مواقفك.. لا تبالغ.. لا تتطرف.. لا تكن متصلب .. فكر طيلة الوقت بكل زوايا وجهات النظر المختلفة وابحث عن جزئيات الحقيقة قطعة قطعة، نعم عليك أن تتمسك بثوابتك والتي من أهمها أن لا شيء محض بالحياة وأن كل شيء نسبي وأنه لا بد أن تحتفظ بخطة بديلة لكل شيء ..

هنا يأتي السؤال الجوهري هل هذا يشمل القيم؟

بالطبع لا فالقيم هي المعنى الأعظم التي تنتمي لسنن الكون التي اتفقنا أنها من القطعيات لذا فالخيانة مثلاً لن تصبح يوماً شيئًا جيدًا مهما حاول أحدهم تغيير عنوانها وترويجها للبيع.. لكن المعضلة تكمن في استطاعتك التبين هل هذه خيانة أم لا..  فهذا التمييز يحتاج للكثير من الإدراك والعظيم من الشجاعة والصدق، وهذه معضلة القيم فهي في معناها قطعية أما في قدرتنا على تطبيقها مُستعصية فنحن لا نمتلك هذا القدر من الكمال والقدرة المثالية على التطبيق والفهم والأداء الخالي من النقص والتشوهات..

لعل هذا ما يجعل إطلاق الأحكام على الآخرين من الحماقات التي يتحاشاها العقلاء، فالقصة تحمل خلفها ألف ألف قرينة وحدث وحبكة، وإدراك الحقيقة قد يحتاج إحاطة وسنين وعمق يتجاوز بشريتنا..

لذا يمكنك اتخاذ موقف من أفعال الآخرين بما يظهر لك لكن لا يصح أن تطلق أحكام قطعية عليهم فلربما أنت تنظر لقطعة صغيرة جدًا من الصورة الكبيرة، لكنك على كل حال قد تحريت الذي يلائمك كموقف منهم..

كم كانت الحياة لتكون أسهل وأوضح لو أن الخير تميز عن الشر.. لو أن الذي تكرهه هو بالفعل ما عليك تركه وأن ما تحبه هو ما عليك التمسك به..

لكن هذه الرفاهية هي المفقود الأغلى الذي لا نملكه في قدرنا البشري الكادح في أرجاء الكون.. وأجمل ما تفعله حيال كل ذلك أن تناشد الرب المتعال – كما علمنا المصطفى الكريم- أن يُريك الحق حقاً ويُرزقك اتباعه وأن يُريك الباطل باطلاً ويُرزقك اجتنابه..

وهوّن عليك إنما نحن مجرد باحثون عن الحقيقة حتى نغادر بسلام.

f722242cf1c0780bec919475878fa1f8