يقولون أن التاريخ يُعيد نفسه وهذا غير صحيح على الإطلاق فالتاريخ لا شأن له بإعادة شيء، بل البشر يكررون غباءهم وحماقاتهم على نحو يجعل التاريخ نفسه في قمة تعجبه وهو يتابع هذا التكرار السخيف لأخطاء مأساوية – أهلكت أجيال وراء أجيال – من كائنات مُصنَفة أنها الأذكى في المملكة الحيوانية.
لعل هذا هو ما خلق سحر الأساطير التي يتناقلها البشر من حضارةٍ إلى أخرى ومن جيلٍ إلى أجيالٍ لاحقة، فالأساطير قصصٌ تحمل شيئًا من الحقيقة ملتحفة بالكثير من التوريات والغموض الشيق في منظومةٍ ساحرة تلخص دروسًا بليغة حكيمة يُوصي بها البشر بعضهم البعض لعل وعسى يتعظون فيتجنبوا ما أهلك سابقيهم؛ لذا في انغماسك في جمال الأسطورة لا تُدقق في العناوين بل تتبع الدرس المَخفي في الأسطر المُزخرفة بالخيال والغموض والمبالغات والتفاصيل البشرية المبهمة..
تحكي الأسطورة المستوحاة من الأحداث التاريخية لحروب الديانة المسيحية مع الرومان أن هناك ٣٠ عملة قديمة نحاسية من العهد الروماني لديها قوى خارقة شريرة عند لمسها حسب الأسطورة، فهذا هو المبلغ الزهيد الذي تم دفعه للحواري يهوذا ليخون السيد المسيح عليه السلام حسب الرواية النصرانية للأحداث حينها..
عند لمس إحدى هذه القطع الملعونة يتحول المرء ليجسد أسوأ جانب مظلم منه، ومع سرد الأسطورة للتفاصيل يتضح أن العملة لا تقوم بإضافة أي شيء للإنسان بل ببساطة تقوم بتكبير وتضخيم أصغر نزواته الشريرة وميوله الظلامية، و كأنها قادرة على تحديد ذلك الشر الذي ظل طويلاً يحاول أن يدفنه في أعماقه بعيدًا عن مظهره المعتاد في محيطه وبيئته، ذلك الظلام الذي يُقاتله داخله منذ أمدٍ طويل، تلك الشكوك والأطماع والنزوات التي لم يحسمها مع نفسه بإخلاص وصدق وعزم، لمسة العملة تحدد ذلك الجزء المخيف داخله وتوقظه فيتحول إلى شخصٍ مختلفٍ يتسم بالطغيان والوحشية فيرتكب عندها أفظع جرائم مرت بخياله دون أي تردد..
تلك القطع جسدت مفاتيح الشر المطلق المخيف الكامن في بشريتنا الهشة؛ لذا فهي في الأسطورة قادرة على تحويلنا إلى الوحوش التي نكافح بكل الحكمة الأخلاقية والتفكير المنطقي والتهذيب الديني حتى لا نكونها، القطع الملعونة في الحقيقة لن تعدو كونها رمز لأمور أكثر خطورة في حياتنا.. أمور نقابلها في يومياتنا وتشابك أقدارنا، أمور فتاكة تجعل البشر ينقلبون رأسًا على عقب فينكُثون أكثر عهودهم قدسية وينتهكون أكثر معتقداتهم علوية..
لا تكاد حياةُ أحدنا تخلو من هكذا صدمات بأشخاص لم يعد يعرفهم حين انقلبوا من طرفٍ ما إلى النقيض تمامًا عندما لامستهم هكذا أمور وقطع ملعونة، ولطالما ظلت خيانة البعض وتحولهم من أقصى طرف القضية إلى أقصى طرفها المضاد، ذلك اللغز المُحير للحكماء والمؤرخين والفلاسفة، اولئك اللاعبون على رؤوس القيم و المبادئ والمقدسات هم الأكثر استعصاء على الفهم المنطقي للمهتمين بهكذا دراسات ناهيك أن يستوعبها الشخص العادي..
في الأصل الإنسان معروف أنه المخلوق الأكثر افتقارًا للثبات فلا ضمانات مطلقاً حين تتعامل مع البشر، وحين تتسم بالكثير من الحنكة ستتوقع أي شيء من البشر مهما كان مُستَهجناً ومُستَبعداً، وليس ذلك من باب التشاؤم أو النظرة الدونية لفصيلتنا الراقية بل هي حقيقة هشاشة بناءنا الغرائزي والعاطفي المتقلب بشدة، بل البشر لا يُمكنهم ضمانة أنفسهم وكثيرًا ما تمردت عليهم ذواتهم التي يحملونها بين جوانحهم فسقطوا في أمور فظيعة لا يُدركون من أين جاءتهم وكيف تغلغلت في أعماقهم وكيف انزلقوا في ظلماتها لهذا الحد..
ولا عجب في ذلك فنحن كمخلوقات بديعة التكوين نمتلك النور والظلام جنبًا إلى جنب في كياننا في تداخلٍ عجيبٍ معقدٍ يُجسد كم نحن كائناتٌ فريدةُ الصنع، وبالنظرِ المطول للعذابات الإنسانية سنجدها تتركز حول الخيبات البشعة للآمال، تلك الخيبات التي يتلقاها المرء بقسوة فتصرعه عندما يثق ويرفع سقف توقعاته بالمقربين وبمن يُحبهم أو يُقدرهم أو يَتبعهم، لكن من ناحية أخرى طبيعتنا هذه هي مصدر الدهشة والإبهار الذي تحتفي به صفحاتُ التاريخ للبشرِ الذي يقاتلون بعنادٍ لا يُصدق والذين يثبتون في الأوقات المستحيلة ليجترحوا البطولات العجيبة، وعليه نحن نمتلك عالم ثري ومزدوج داخلنا ويتطلب الامر الرجولة الصادقة واليقظة المستمرة لترشيد أنفسنا وأفعالنا..
العملة الملعونة ليهوذا الخائن ليست قطعة مفقودة ففي الحقيقة نحن نجدها كل يوم في المحن والأوقات العصيبة والقصص المأساوية والجرائم البشعة التي ارتكبها أناس أقرب للوحوش مبررين مواقفهم بعدد هائل من الأعذار والمبررات والفلسفة المريضة وحكايات المظلومية..
سكرة السلطة والمنصب وشهوة الجنس وإغراء الآخر ولذة سطوة المال هي أمثلة يومية لتلك العملات الملعونة..
إنما الحرب تُعتبر الأسوأ بينها فهي من تحصل على أعلى معدلات القوة والفعالية في جعل البشر يرتكبون أفظع ما يكمن في غرائزهم البدائية، فنحن لم نسمع البتة بأي فصيلة تقتل بعضها البعض بل وتتلذذ في تعذيب بني جنسها حتى الموت كما نُشاهد ونقرأ في تاريخ البشر الدموي، وبسياط الخوف والتجويع الذي تستخدمه الحروب يُصبح البشر حيوانات مفترسة لا تُفرق بين قريب وغريب ولا شيء يوقفها سواء مُقدس أو مُحرم، ففي الحرب كل شيء مباح حتى قدس الأقداس في أي عُرف وأمة..
ولأن سنن الكون ماضيةٌ في فلكها هُناك دومًا حل لكُل مُعضلة ودواء لكل داء؛ لذا تتابع الأسطورة خيوطها المحكمة لتُخبرنا أن الشيء الذي يمنع أثر العملة من التأثير على الإنسان هو استخدام زجاج ملون مقدس لاحتوائها، زجاج فيه ثراء الحياة واختلافاتها ويحتوي على معاني السمو والطهر المتبتل، ذلك وذلك فقط ما يمكنه ردع هذا الشر القابع في عملة الخيانة..
بنفس الطريقة في حياتنا الواقعية هناك بالفعل حل في مواجهة المال الملعون الذي يُثري أمراء الحرب والفساد.. هناك ترياق لداء الطمع والاستغلال والوحشية في امتصاص دماء الناس وحيواتهم، هناك سبيل لتحرير الأوطان من مستنقع العنصرية والطبقية والأحقاد العدمية التي تُبيح الدم المقدس لأجل خزعبلات لا أصل لها.. ذلك الحل والترياق والسبيل هو ذلك الإنسان الراسخ الثري بالحياة والسعة للاختلافات والألوان، إنسان الرجولة والثبات على الحق والفطرة البسيطة البديهية لعجائز حاراتنا القديمة..
بالطبع الأمر يتطلب الكثير من التشبث بكل ما هو متوازن ومعتدل وإنساني لتتغلب على نزعاتك الشريرة وضعفك سواء كفرد أو ككيان جمعي تزعم أنك على مستوى عالي من الرشد، لكنه الدرب الوحيد الذي جاءت به الديانات السماوية لتُنقذنا من ضعفنا وغباءنا، إنه المنهج الوحيد الذي دأبت علوم التنوير والحكمة البشرية تلقنه لنا، فلا خير في ممارسة الأنانية الصبيانية والتدمير الذاتي.. ما دمنا ندعي أننا بالغون فعلينا التعامل على هذا الأساس..
وبالتأسي الجميل لهذه الموعظة المخبوءة في نسيج الأسطورة يُمكننا التيقظ الآن فننقذ أنفسنا ونحمي أجيالنا فلا نُورث لهم عملات ملعونة في قوالب طبقية او تقاليد عنصرية او نصوص ملتوية او انتماءات حاقدة أو مناسبات تحريضية فتصير هي هي تلك القطعة التي تحول كُل من يلمسها – ولو بعد قرون – إلى وحشٍ لا يعرف معروفًا ولا يُنكر منكرًا ولا يُراعي حُرمة وطنٍ ولا رحم..
وكما تُخبرنا هذه الأسطورة وكل قصص التاريخ فالخير لم ينهزم في النهاية بل ظل يُقاتل جولة بعد جولة وألفية بعد ألفية دون أن يستسلم لهزائمه هنا وهناك من حينٍ لآخر، ذلك الخير المجيد المتجسد بأشخاصٍ كالنجوم في السماء يمشون بيننا ويشبهوننا لكنهم فرسان الأوقات المظلمة سلاحهم ودروعهم محاريب قدسية من القيم والايمانيات ومكارم الأخلاق، عاشوا بعنادٍ سماوي أمام الطغاة والظلم والغباء يُلهمون من حولهم أن الحياة تستحق أن نعيشها باستعلاء كريم ونموت في سبيل حمايتها جميلة وخَيّرة لأحفادنا وأوطاننا..
إليهم وبهم ومعهم – أولئك الذين لم ينقرضوا كما قد يظن الكثير – مازالت الحياة تندفع هادرة بقوة كونية جارفةً – بإذن الله – كل الحمقى والضعفاء والطغاة إلى مزبلة التاريخ والنسيان ليبقى المجد للحق والحق فقط ..