بخطوة راسخة

يَختلفُ النَّاس في أمورٍ كثيرةٍ وتبْلغُ آثار خِلافاتَهم أقْصى حُدودها على شكل حروبٍ وصراعاتٍ لا تَنتهِي ضَراوتها، رُغم ذلك تَظل هُناك أمورٌ جوهريةٌ وعميقةٌ تَتَفِق عليهَا أغْلبيَةَ الشُعوب بِكُل أَعْراقهم بَل ويتشاركُون الشَّغف بِها، تِلك الأخيرة تَجْعلهُم أَقرَب لِبَعضِهم مهما اختَلفَت لُغاتهم وديانَاتهم ومَشاربهم الفِكرية وَطَبقَاتهم الاجْتِمَاعية، وكأنَّها آخر دِفاعَات فِطْرتهم أمامَ طَيش نَزواتهم المتصادمة.

مِن تِلك المُشتركات ذَلك الولعُ البشري الخالد بِالأسَاطِير والمَلاحِم، ففِي كُل زمَانٍ ومَكانٍ كان لِلشعوبِ قِصَصِهم وَ أبْطَالهم بِملامِحهِم التِي تَشِّع بالمجد حيث يختَلِطُ الواقعُ الأصيل مع الخَيال اللامحدود، وبالطبع لا يُمكن صِناعة أساطِير مَلحمِية بلا معارك دامية وحِكايات تَستَفِز كُل ما فينا من عطشٍ للإثَارة والقُوة والحياة المُفعمةِ بالحياة.

و أهم مَا تَستلزِمه تِلك الصِّناعة هِي صفةٌ واحدةٌ يتشَاركُ فِيها كُل الأبطَال مهمَا كانُوا أخياراً أم أشرارا، أغنِياء أم فُقراء، مِن الشرقِ الأقْصَى أو مِن الغربِ الجموح، من أقاصِي الشِمال كالفايكينج أو ِمن الجَنوبِ السحيق للقبائلِ السمراءِ وأدغال الاستوائي، بِكُل أشْكَالِهم ومُعتَقداتِهم لا يُمكِن أن يُولد البطل من رحِم المَلحمة بدون هذه الخِصلة..

إنَّها الشجَاعةُ صانعةُ الأبطالِ وجوهرةُ الملاحمِ العظيمةِ، القصةُ التي تُلهمُ الأجيال لا وجُود لها بِدون ذلك الرُعب المقيم الذِي تشق عبابه البَسالة وتَسحقه ، كُلمَا كان الرعبُ أكبر كَانت المَلحمة مُلهمةً أكثر لِما تَسْتلزمهُ مِن شَجاعةٍ نادرةٍ..

الشجاعةُ صفةٌ أساسيةٌ فِي بوتقةِ الرجُولةِ وعمُودِ العظمةِ وقلب الالهامِ الحقيقي الذي لا ينتهي حتَى تنتهي البَشرية، فَالبشر مخلُوقاتٌ طموحةٌ لكِنها مُتخبطةٌ في عالمٍ مُخيفٍ يجعل حيواتها مُتنقلةٌ مِن مواجهةِ خوفٍ إلى خوضِ خوفٍ آخر في متوالياتٍ لا تنتهي، فلا عجب أنَّ القلق بكُل تبِعاته ونتائجِه صار القاتل الأعلى في تاريخِنا، إذْ لا شيءَ يقتلُ البشر أكثر من البشرِ أنفسهم .

لِذا فالشجاعةُ هي نَواةُ الاستمرارِ في القتالِ والكفاح للبقاءِ والسعادة في هذا الكون القاسي على جنسِنا الضعيفِ الجاهلِ للكثير..

قد يعتقدُ الأغلبِية بسطحيتهم وسذاجتِهم أن الشجاعة تكمُن في قتالِ الوحوش أو خوضِ المعَاركِ الخطيرةِ في جبهاتِ الحُروبِ أو حتى في سِباق السيارات أو مواجهةِ لصٍ تسلل للمنزلِ ليلاً، يَصفون الأشخاص الذين يَعبرون المحيطات أو يَغوصون في الكهوفِ تحت الماء بأنَّهم أشجعُ الناسِ، يَهتِفون لروادِ الفضاء ومستكشفي الأدغال والصحاري ويشيدون بجسارتهم، تِلك الجُموع تغني وتُهلل لكل أولئك الذين يَقفِزون هُنا وهُناك في المخَاطِر ويَتسلقُون المُنحدرات بلا حبال أمان ويُنفذون اللقطات الجريئة.. مما يقودنا لتساؤلٍ جَوهري هل هذه هي الشَجاعةُ الحقيقة ؟

هل هذا حقاً أكثرُ ما يخَافه المرء وأصعبُ ما يواجهُه الإنسان ؟

إذا كانَ كُل هَذا الأكشن هو الأهم فلِماذا العَالم يَبدو في حالةٍ سيئةٍ يوماً بعد يوم ؟!

الحقيقة أنَّ هذه الأمُور على صُعوبتِها وإثارتِها للإعجاب ليست الأكثر رُعباً وقسوةً وصعوبةً في حياتِنا، فمخاوفنا الأعمق تتَركز حول تِلك الجوانب الأكثر هدوءً وغموضاً في كينونتنا كبشر .

ولتُدرك ما هِي الشجاعة الحقيقة عليك أن تُجرب أن تقِف في وجه القطِيع وتُقاوم نُظراءك في مُجتمعك، أن تهْتِف لِما يَرفضه الأغلبية بغباءهم، أن تتَمسك بأحلامك وتُقدم نفسَك الفِداء لقيمِك الأعلى، أن لا تُبالي بِالتُوقعَات والرغبَاتِ الأنانِية من الآخرين، أن تُعارض من تُحب لأجل حُريةِ خياراتك، أن تَتحدى كُل أنواع الهيمنةِ والوصايةِ المُجتمعيةِ حولك باتِزانٍ ونضجٍ وعزمٍ .

جرِب أن تُحافِظ على إيمانك في عالم يغرق في القذارةِ والسفالة، جرب أن تكون نبيل في وسطٍ يتملكه اللئام، هل تتَجرأ أن تتَحمل الألم والظُلم وحيداً وأن لا تُعلن ما ضحيت بِه لأنك تعلم أن إعلانك سيُؤذي قيّمك وما تَحميه في الحياة من مُعتقدات؟

ماذا عن حُب شخص بصدق؟

الحبُ الصادقُ هو أكثرُ المغامراتِ المرعبةِ في حياتنا فالرفضُ والفقدُ يؤلمُنا أكثر من الموتِ نفسه، كما أن الحبَ الحقيقي يُواجهك بمسؤولياتِك ووجُوب تحسنك لأجل من تُحب، عليكَ أن تعترِف بِعيُوبك وأن تلتَزم بِما تَفرضه العلاقة العميقة مع مَن تُحِب، الحب يعني أن تُغامِر باحتمَال التّعرض لجِراح التضحيةِ وإمكانيةِ خيبة الأمل، بل يَتطلب أن تُقاتل كل يومٍ ترهات ضعفك وشكوكك، كُل هذا يحتَاج مستوى غير محدود من الجسارة لِذا فالجُبناء يتسكعون في أزِقة العلاقاتِ العابرةِ والنزواتِ بلا أدْنى فِكرة عن الحُبِ والتَفاني الحقيقي.

كَم تمتلِك من الشَجاعةِ لتُؤمن؟

تُؤمِن حقيقة وتَدْفع ثَمن إيمَانك، أن لا تَهْرب مِن مَعارِكك الرُوحيَّة إلى الخُرافات والشَعوذات، أن تَجتهد وتَصمُد وتَحْتمل كُل نكساتك دُون أن تَضِيق ذرعاً بمشقةِ البَحثِ عن الحَق، أن لا تَيأس وتُعلن الغَضَب العام على كُل ما لا تُدركه وتَسلك الإلحَاد كتَعبِير عن حَنقِك الصِبياني؟

حِين تكون بِعافيَتك قَد تكُون جريئاً مُندفعاً فهَل ستَظل بِهذا التألق حِين يَعتصِرك المَرض؟ حِين يُوجعك العَجز وتُحاصِرك كَوابِيس الضَعف والألم الذِي لا يَتوقف؟

الكثِير يَفقدُ حِينها رِباطةَ جَأشِه ويَسْتسِلم بطرقٍ وأشكالٍ مُتعددة، ففراشُ المرضِ وحشٌ قاسٍ لا يرحم..

وليسَ كُل الهَزائم المُخيفةِ تَأتي مع المِحن فالنجاح قد يَجلِب ويلاته والأضُواء لها طَريقتها في تَعذِيب أصحَابها فهل أنت شُجاع بما يكفي لتصمُد مهما حَدث؛ لأنّك قد تَنْدهِش حِين تعرِف أن أغلبَ البَشر يَخافُون تَبِعات ومسؤوليات النَجاح أكثر من خوفِهم من الفَشلِ نفسه، لعل هَذا يُفسِر لك لماذا الأغلب كُتلة فشل مُتحركة طوال عُمره .

هل جربت أن تَرتبط بشخصٍ تعرف أنه سَيموت قريباً و يتركك مكسُور الفؤادِ وحيداً تُعاني الذكريات؟

لابُد أن عقلك يُخبرك أن الأفضل أن تبتعد عن هكذا مُخاطرة مهما كانت مُبرراتك..

هل جربت أن تَتَفانى بِإخلاصٍ مع طفلك الذي لا تعرف هل سيكُون لك العون و النعمة أم كسر الخاطرِ و الخُذلان حين يكبر؟

هل سَكبْت رُوحك ونَذرْت نفسك لِرسالة وحلم سامي مع أنك لا تملك أدنى ضَمانة أنكَ سترَى ثِمار عطاءك وفَجر نصرك بعد ليَاليك القاسِية؟

الشجاعةُ هي إكسير الخُلود من يَتخلق بها يَحصل على كُل المَقامَات الكريمةِ في الحَياة مهما عاش مُعذَباً ومَهما قَاسى، الشُجعان لهُم كُل شيء جميل وسامي والجُبناء لهُم أرذل العيشِ وتَعاسات النفسِ وقشُور الأشياءِ ..

كُن بطلَ قِصتك فَالأسَاطِير لا تَقتَصِر على الوحُوش والمَعارك الحَربِية بل هي يَومِياتِنا حيث تكمُن التحدِياتُ الأكبرُ والأصعبُ والأقسى ..

تَجلَد وتَوكل وكُن شُجاعاً فلا شيء يُخيف أكثَر من الخَوفِ نفسه، كُلنا نَتشارك نفس الخَوف إنّما يُقاوم الشُجعان ويَنهضُون بينما يَتقَاعَص الجُبناء ويَتخاذلُون ..

تَأمَّل الأمر جيداً وحظاً موفقاً.

Mount-Toubkal-2