وطنٌ لم أعد أعرفه و مهما حاولتُ أصبحتُ أشعر بالوحشة في دروبه… أحبابٌ اغتربت قلوبهم عن قلبي الذي هام بهم لسنين، لغتي غادرت شفتاي و ارتحلت مفرداتها بل مقاطعها الصوتية عن خاطري…
أحرفي مبعثرة… روحي مبعثرة… أحلامي مبعثرة… و خواطري كشظايا زجاج تكسر و تبعثر هنا و هناك…
لعثمة سكنت لساني… و أوقفت قلمي و كأني طفل يناغي بما لا يفهمه أحد… فراغٌ يعيث في خلدي فساداً… وإلهاماتي- منذ أمد بعيد- هجرتني…
وكأن مشاعري رمال تحملها الريح و تشتتها النسمات… جسدي خائر القوى متراخي الأعضاء وأكاد لا أقدر حتى على الزحف.
يا هل ترى لماذا صار العطاء ثقيلاً جداً على نفسي؟؟ أين ذهبت عزماتي و صولاتي؟ أين ذهبت روحي المُحلقة في فضاءاتي التي كنتُ أمتلكها رغم الحصار؟؟ لماذا هجرني إلهامي الذي لطالما بنى أسوار عالية حولي تحميني و تصد هجوم الروتيني و العادي عن قلبي…
هل يمكن أن تختفي المواهب هكذا كما يختفي الملح في بركة ماء؟!! أيمكن أن تغادر القدرات هكذا في لحظة خاطفة؟
أفكر كثيراً هل السبب في الأحباب الذين فقدتهم؟؟.. لكني كسبتُ غيرهم؟؟
هل روحي محطمة من ثقل المحن؟؟.. لكن الخيرات جاءت بعد المُلمات؟؟
هل كان حبي لغايتي مجرد ترفيه لنفسي فلما انشغلتُ ظهر ضعف انتمائي لها؟… لكني كنتُ ولازلتُ ألمس في فؤادي الشغف بتلك الغاية التي شيدتُ قواعد حياتي عليها؟؟
ترى هل أنت غاضب مني يا رب لذا أغلقت علي الفتح الذي أضاء وجداني وكل حواسي؟؟.. لكنك ياربي رحيم و دوماً تساندني على الرغم من كل تقصيري؟؟؟
أم لعلها لعنة عين أو سحر كما يدعي البعض؟؟.. لكن هذه الأمور لا تُوقف ذو العزيمة و الإيمان مثلي؟؟
مهما يكن…..
مدةٌ طالت أم قصرت يجب أن أُنهي هذا الأمر… لابد أن تستمر حياتي كما اخترتها، فنحن نكون بالذي نختاره و ليس بالذي نقدر عليه فقط….
عليَّ أن أواجه الأمر بشجاعة و أن أستمر حتى لو عاندتني يداي و ضللني عقلي… حتى لو فشلت محاولاتي المتكررة… إنها موهبتي التي أتنفس بها…. لقد كنتُ أبذل لغاية و يجب أن أظل أعطي لأجل تلك المقاصد العلياء التي لازالت تثابر للبقاء في قلبي المزدحم بالهموم..
علي أن أثق أن الباب سيُفتح مادمتُ أواصل الطرق…
تُرى ما الخيار الأخر بالنسبة لي؟؟
أهو خيار البُعد عن هدير الإنجازات و تغريد الأعطيات؟؟؟ إنه خيار مستحيل التخيل حتى في أسوأ كوابيسي…
فمواهبنا مهما كانت متواضعة إلا أنها متنفس أرواحنا و هي أثرنا الباقي من بعد رحلينا… مواهبنا هي قطعة الخشب التي لابد أن نتشبث بها في بحر التفاصيل الحياتية الهائج… مواهبنا هي حديث ذواتنا التواقة لإثبات نفسها…
مواهبنا هي دليل الكرم الرباني علينا كلنا بلا استثناء إطلاقاً…
مواهبنا هي أيضا طريقنا إلى المجد الذي ننشده مهما كان…
الأمر يحتاج لمثابرة و استمرارية عنيدة… صحيح أن الثمن قد يكون غالٍ، لكن تركه أكثر كلفة و خسارة… فالسفوح الوضيعة لا تُناسب أمثالي و أمثالك.
فمع الوقت نُدرك أن الأسماك لا تعيش في اليابسة، و أن البطريق لا يتواجد إلا في الأماكن المتجمدة، و أن الصقور لا تسكن إلا في القمم السامقة، و أن الأسود تفقد روحها الملكية خلف قضبان القفص..
نُدرك أن السماء لا تحيطها الجدران و أن هدير الحياة أقوى من شلالات الدماء و الحروب… و أن الإنسان لا يعيش سعيداً بل لا يبقى إنساناً بلا عطاء على أي مستوى و في أي زاوية… و ذلك العطاء لا طريق لتدفقه إلا بالموهبة التي يمتلكها الجميع بطريقة ما… مهما كان حالك… انضم لي… و تأكد أنها ستعود…