يُكافح البشر مُنذ الأزل ليجدوا السعادة.. كل أفعالهم، صراعاتهم، تحالفاتهم وجهودهم الهمجية والحضارية كانت – ومازالت – في جوهرها تسعى للسعادة مهما تدثرت بشعارات وادعاءات أخرى، الحقيقة أنّها السعادة تلك التي ينشدونها – بمعاني خاصة مُقنَّعة في نفوسهم – ويسعون إليها بكل ما يمتلكون من قوة وإمكانيات مادية ومعنوية.
الإقرار بهذه الحقيقة يختصر الكثير من الجهد والجدال العقيم الذي يهذي به الفلاسفة والمفكرون مُنذ عرفَ الإنسان التنظير والتأليف، ذلك الجدال الذي يحاول تفسير معضلة وجودنا التعيس، و أنّنا مع كل جهودنا المتفانية مازلنا نُصارع التعاسة والضيق والكآبة في معارك مُتتالية ضارية يبدو أن لا انتصار لأغلبيتنا فيها كجنسٍ بشري.
بقليلٍ من البحث و كثيرٍ من الشجاعة يُمكننا إدراك أن هناك الكثير من الأسباب لتلك المسيرة المفعمة بالاستياء وجلد الذات وانخفاض شعور تقديرنا لأنفُسنا لكن هناك سببٌ يُعتبر الأكثر إغفالاً من البشر، فنحن نعتقد أن تلك الأشياء التي صنعناها على نحوٍ ناقص أو غير جيد كفاية هي السبب في هذه الأوجاع النفسية والانكسارات الحياتية التي تُصيبنا والحقيقة هي على العكس تمامًا.
ليس ما فعلناه هو ما يُكدر حياتنا بل ما لم نفعله، تلك الأمور التي لم نتجرأ على إنجازها أو حتى مجرد الخوض فيها هي من تشعرنا بالخزي والضعف والجبن، فالخوف والتردد ونقص إحساسنا بأننا جيدون كفاية – ولو حتى لمجرد المحاولة – هو ما بنى جدارًا عاليًا بيننا وبين ما نريده، عَجزُنا عن دفع خطواتنا لتلك المناطق المخيفة داخلنا هو ما سكب أطنانًا من الحنق و السخط على أنفسنا.
قد يعتقد الكثير أن تلك الكلمة التي قالها هي التي صَنعت مُنعطفًا تعيسًا في علاقته بذلك الذي يُحبه و الحقيقة هي أن تلك الكلمة الغير مُناسبة قد صدرت منه و انتهى الأمر، إنّما المنعطف التعيس حصل بالفعل من تلك الكلمة التي لم يتفوه بها ككلمة الاعتذار المتواضعة، همسات التعاطف الحانية والسؤال المُخلص المُفعَم بالاهتمام الدافئ.. تلك هي الكلمة التي لم يُقدمها و صَنعت شرخًا عميقًا بينه وبين من يحبه .
ويُحدثك الكثيرون أنّه نادم على ذلك العمل أو التخصص الذي أفنى عمره فيه هدرًا بلا استمتاع ولا إبداع ولا حتى مكانة مادية أو اجتماعية تليق به، إنّه كل يوم يشعر بِمرارة تَضييعه لنفسه و مهاراته وإمكانياته التي تستحق أكثر بكثير من تلك الحفرة المظلمة التي امتصت شبابه وحيويته، وهذه صياغة غير دقيقة لما حدث؛ فالحقيقة أن ما يؤلمه هي تلك الفرص التي كانت تمر أمامه كل يوم وكل لحظة في حياته دون أن يقتنصها بسبب الكسل أو الخوف أو التردد أو الإحساس العميق بالدونية أو كل ما سبق، لقد ظل في دوامة الروتين اليومي والطوارئ تحت مسميات الواقع والالتزامات ومشاغل الحياة بينما هو في الحقيقة لم يتوقف ولو لحظة واحدة ليعيد حساباته و يصنع فاصلة مُهمة بحياته.. فيختار ما يرى أنّه أكثر ملائمة لذكائه وميوله وطموحاته.
إنّ كُل تلك الفرص المُضيَعة هي ما تحَزُّ في نفسه.. كل لحظة عبرت بخاطره تلك الفكرة المتوهجة التي تحثه بأن يتغير.. أن يحاول الخروج من هذه الدائرة التي لا يريدها.
كل تلك اللحظات تحولت لسياط تجلده كل يوم وكل ليلة مهما حاول الهروب إلى الإدمانات المختلفة أو الضجيج الاجتماعي، إنها هناك بالمرصاد له.. تذكره كم هو ضعيف مثير للشفقة وعديم النفع لنفسه وأحلامه .
وفي نهاية كل يوم يشعر كل واحد منا بفجوة ما تنخر في صدره، لعل هذا ما يجعل أغلبنا يُطيل السهر ويجافيه النوم؛ ربما لأنه يحاول التشبث بهذا اليوم فهو غير قادر على أن يودعه إلى غير رجعة، هذا اليوم الذي يشعر كل واحد منا أنّه كان – من المرجح – أن نقضيه في أموٍر أهم وأكثر أولوية وجوهرية لحياتنا من تلك التي فعلناها ونحن نلهث وراء إرضاء الآخرين وتحقيق توقعاتهم الأنانية الغير منتهية منا.
ومع إطالتنا للسهر نخسر صحتنا واستقرارنا النفسي و الفكري دون أن نصل لأي شيء من التعويض الحقيقي للهدر الفظيع الذي احتواه يومنا الراحل بلا عودة .
إنّه من المؤسف أنّنا إلى الآن لا نجرؤ أو لا نُبالي أن نعترف أن الضياع و الهدر الذي ارتكبناه هو ما يلاحقنا على شكل لعنات تُؤرقنا وتعذبنا ليل نهار، لماذا لا نعترف أنّنا لا نعيش أعمارنا بالعمق الحقيقي الذي تستحقه؟!
لماذا نغرق في المغالطات حول ما حدث ومازال يحدث ونغفل عن ذلك الإهمال والعجز والتفريط الذي أغرقنا به حياتنا الثمينة وأضعنا به علاقاتنا الأنفع لنا؟!
ما يذبحنا بالفعل هي حسرات تلك المواهب التي أهدرناها وتركناها لأجل قوالب العقلية المجتمعية التي حولتنا إلى قطيع بلا حرية اختيار مصيرنا، حسرات الحب الذي لم نقاتل كفاية لأجله لنمكث بقية أعمارنا مع أناس لا نشعر معهم بالأمان ولا بالتفاهم، عشنا حولهم غرباء وحيدين نقاسي احتياجاتنا الأعمق للاحتواء والتقدير .
ما يقتلنا بالفعل هي حسرات الأخلاق الكريمة التي لم نتخلق بها واللطف الذي لم نُقدمه لأنّنا كُنا مرعوبين من مخالفة من حولنا وربما كنا ومازلنا نفتقر للسخاء فنُعطي دون أنانية ولا صبيانية في تصوراتنا عن الحياة، ومثلها حسرات الجمال الذي مررنا عليه بغباء وبلادة .. لماذا لم نمنح أنفسنا متعة التأمل أكثر؟! لماذا لم نعطي قلوبنا جرعة تلذذ بما هو ساحر و خلاب ؟! كل الروعة بهذا الكون تعرض نفسها لأجلنا لتجعل رحلة عمرنا أكثر تشويقًا وبمذاق أسطوري فلماذا اخترنا أن نعيش كالجمادات في سجون إسمنتية بلا حمد ولا استمتاع ؟!
يمكنك الآن أن ترفع ناظريك من هذه الأسطر لتواجه ما حولك, انظر هناك لأناس تحبهم لطالما اشتقت أن تكون معهم أكثر وتتمتع بقربهم أكثر، قلبك يقطر كل يوم حنيناً لهم وتتوق لتقول لهم كلمات الامتنان والولاء التي يستحقونها لكنك مُقصرٌ بخيلٌ بها، وتظن أن أُعطياتك المادية و اعتذاراتك السمجة ستُغطي النقص وهي لن تفعل البتة ..
انظر إلى حيث تقبع كتبك وملفاتك وأُطروحاتك العلمية التي لطالما أردت قراءتها والتبحر بها وبناء عطاءاتك الفكرية عليها، تتعذر كل يوم بأن الوقت ليس مناسب .. ولست في مزاجٍ جيدٍ لذلك.. وأنه لم يشجعك أحد.. ولن يهتم أحد بإنتاجك أصلًا.. صارح نفسك أنت تهرب و هروبك يعذبك و يمزق فؤادك ..
تمعن بدولاب ملابسك ومستلزماتك الشخصية لماذا لم تعد تعرف نصف المكدس فيها؟!من الأفضل أن تغطس فيها وتعود لاستخدامها أو تدويرها أو إعطاءها لغيرك، صدقني ستشعر براحة عميقة تُشع في قلبك المُثقَل بالتعب و.. الانهاك.
تحسس جسدك المسكين الذي يشتكي من الإهمال والاستنزاف والإرهاق إنّه رفيقك وخادمك الأمين وهو أمانة بين يديك فلماذا تخونه؟! لأجل حفنة من النقود لن تنفعك حين تهوي عليلًا طريحًا في وقتٍ قريب؟! الأولى بِك أن تشرع فورًا في كل ما لا تداوم عليه من الحمية والراحة والاسترخاء والرياضة والعادات الصحية الجيدة ..تذكر “من سأل غير العافية فقد ظلم ” ..
تأمل هذا الوطن المنكوب الذي تعلم جيدًا كم تحبه، إنّه يسكُن أعماقك فلا تحاول تغطية قهرك على حاله بعبارات الغضب و ادّعاء اللامبالاة، إنّه وطنك مرابع طفولتك ووجه أمك الحنون وكتف والدك الكادح وضحكات أصدقاءك ، هناك الكثير مما يمكنك أن تقدمه له بلا مهاترات الطائشين ولا اشتراطات الحمقى.. افعل ذلك لأجلك أنت.. فمن ذا ستكون إن عشتَ خائنًا لوطنٍ لا ذنب له في أن أبناءه تفرقوا بين الغباء والأنانية والتعصب والطغيان ..
وحين تُغمض عينيك وتلمس قلبك النابض ستجد ربك الذي لطالما أحببته وأحبك، ربك الذي تشعر بِه طوال الدرب يتلطف بك ويجبر خاطرك ويعتني بك، ومهما ابتعدت أو غالطت نفسك بترهات سخيفة حول إبعاده لك عن جنابه الكريم أو عن من يتحدثون باسمه زورًا و تطرفًا.. مهما غالطتَ نفسك بكل ذلك فأنت تعلم أنه غير كل هذا وذاك، وأنه لطالما كان الأقرب لك يرعاك ويساعدك جل شأنه..
هذه الأسطر قد تُثقلك لكنها تستحق منك أن تُدير ناظريك حولك الآن لترى كم من الأشياء والخيارات والفرص التي تتأخر في تجربتها بمبررات لا تنتهي ولن تنتهي، توقف الآن عن هذا العبث وعش حياتك بجدية وامتنان للهبة التي مُنحت لك بعيشها، كن رجلًا ولا تخيب ظن قلبك بك، قم بكل جهدك للإيفاء بعهودك لروحك ونفسك فهم أولى و أقرب لك من الجميع، كلنا نعاني هذا التحاشي و التجنب لما يتوجب علينا فعله لكن علينا أن نكافح على نحوٍ بطولي لنعيش الحياة التي نغادرها ونحن لا نعاني الحسرات والسيئات حول أداءنا فيها، بل نعيش تلك الحياة التي نفخر بها ونغمغم بابتسامة راضية عند الرحيل : “يا لها من رحلة شيقة مذهلة أنجزتها بكل ما أمكنني طولًا وعرضًا وعمقًا…فيا إلهي المتعال تقبلني”.
أنت تستحق هكذا راحة ضمير وهكذا نهاية ملحمية ..ابدأ الآن .. فقط ابدأ ..