تنهيدات مربي…

في كل مرة أُصاب بهكذا خيبة أمل… بهكذا حسرة… أتساءل عما كان يجب عليَّ أن أفعله أكثر مما فعلته… و في كل مرة أحاول التبرير والبحث عن ضرورة النقص في عملي كبشر وقد أجد ما أبحث عنه، لكن ذلك لا يخفف من وطأة الألم فلقد خسرت جولة أخرى…

أهكذا يجب أن يعيش من اختاروا أن يكونوا مربين؟؟؟ أيجب أن تصدمهم هكذا نكسات مرة تلو المرة؟؟؟

يبدو أن هذا قدرهم … دوماً أتأمل في دموع سفيان الثوري التي كان يقوم بها الليل فحين يُسئل عن سبب بكائه يقول :”ربيناهم للآخرة حتى إذا استوى عودهم أصبحوا لغيرها “…

الآن أفهم ما معنى تلك الدموع… فمهما أبدعنا في الأنشطة وغربنا وشرقنا تبقى تربية النفوس وتزكيتها هي الأصعب وهي الأساس الأمتن وتبقى هذه الصنعة هي أم كل الصناعات…

اصطناع القادة وأهل العزم هي أشد ما تحتاجه الأمة وهو أشد الأمور صعوبة ومشقة؛ لذا من يحترفونه قليل.

مُربي… إذن استعد للعديد من النكسات، فها نحن نجتهد في تربيتهم وإرشادهم وحبهم والدعاء لهم والترويج لهم ونضع لهم جاهنا وسمعتنا وتزكيتنا وروحنا وخبرتنا وأسرارنا… بل لا نبخل لهم بكل ما لدينا وبدموع ندية داعية في ظلمات الليل لأقل كرب يصيبهم… و فجاءة يتخذون قرارات عشوائية وغير مفهومة البتة…. يقررون ترك كل شيء وكأن شيئاً لم يكن، و يغادرون…

أحياناً كثيرة أحدث نفسي–كمربي- بأن معاييري للأمور مثالية ومبالغ فيها… و أن الظروف  تضغط على الجميع وأن هذه هي الحياة… يلتقي الناس ثم يفترقوا و يذهب كل واحد في طريقه، لكن هل هذا يبرر أن يغادروا قبل أن يكملوا ما عاهدوا على إتمامه؟؟… أن يغادروا والقلوب متألمة لما قصروا؟؟ أن يغادروا والحلم محتاج إليهم كأشد ما يكون الاحتياج؟؟؟؟ أن يغادروا ولم يسددوا الدَين الذي في رقابهم بعد؟؟؟ أم أن هذا الدَين غير محسوب ولا وزن له في مقابل رغباتهم؟؟؟!!

و يزيد الأمر تعقيداً أن تكون لدينا القدرة على رؤية ما سيحدث من خلال عثرات أرواحهم….. فنظل نتألم ونروح و نغدو ونحن نحاول أن لا نصدق أن ذلك سيحدث، وعلى الرغم من كل المحاولات المضنية لمنع ما نراه بحدسنا… يحدث… ، و بعيداً يغادرون… بعيداً عن كل ما تربوا لأجله…

أُحدث نفسي أحياناً: “نعم لقد رأيتُ يوم مغادرتهم قبل زمن، ولكن ماذا كان عساي أفعل؟ إنها مجرد أحاسيس وفراسة؟؟ لا أستطيع أن أصدقها أو حتى أن أحكم على أساسها… كل ما أستطيعه هو أن أبذل كل ما أقدر لتفادي الضرر الناتج… لكن مع كل استبسالي لمنع ذلك النكوص… فإنه يحدث”

أيام ٌمن العهود والآمال والأماني الطامحة لنيل إعجاب الله معاً… الآن كلها انتهت وبطريقة عجيبة وكأنها لم تكن… كأنها كانت نزوة أو تقلعية عابرة…

وبعد كل ذلك لا يمكننا أن نمنعهم فهذا خيارهم ولا يمكننا أن نحتال لنمنعهم مما اختاروا فمازالت النفس تعزهم ولا ترضى لهم أذى… لا يمكننا أن نشكوهم لأحد… ولا حتى أن نبرر ما سنضطر لفعله في مقابل مغادرتهم حتى وأن بدا أننا نحن المخطئون… لا يمكننا أن نقول شيئاً … وكيف نقول..؟؟؟!! كيف لأسرار الغراس أن تُعلَن؟؟!!..

إنها تبقى هناك في الفؤاد دفينة حيث كان العهد لهم بالوفاء… تبقى حبيسة مهما اشتدت خيبة الأمل… تدعو :”ربي ألهمني الحكمة فالغضب غير مسموح مع أني في أشد الغضب ، و الرد القاسي قد يكسر ما لا يمكن جبره مع أني لا أريد غيره… والغيب لا يعلمه إلا أنت… رباه أتُراني أنا المقصر؟؟؟ -سؤال أرقني كما أرق من قبلي- … فأخبرني ما كان يتوجب عليَّ فعله… ، و امنحني الحب والعزم لأبدأ بالغرس من جديد… فقط لأجلك “

img_Arabic_Designer_1680252913748